بيروت ـ جويل رياشي
الكرنتينا ذائعة الصيت في لبنان لجهة ارتباط اسمها تاريخيا بالحجر الصحي للداخلين الى بيروت عبر مرفئها القديم من أيام الوالي المصري ابراهيم باشا في العام 1831، الى كونها أحد أحزمة البؤس شمال مدخل العاصمة اللبنانية، وتقطنها مجموعات من غير السكان الأصليين للعاصمة اللبنانية، فضلا عن كونها مزيجا من المجمعات الصناعية والمستشفى الحكومي ومسلخ بيروت ومركز دولي للمعارض (فوروم بيروت)، فمبان سكنية قديمة وبيوت صفيح ونقاط عسكرية للجيش اللبناني.. الكرنتينا هي كل هذا النسيج الاجتماعي.
في الأحياء الضيقة، اولاد يلعبون كرة القدم في مواقف كانت مخصصة للسيارات قرب مخازن تابعة لشركات شحن عالمية على المدخل الشرقي للمرفأ. كذلك لا تزال ماكينة صنع القهوة «اكسبريسو» القديمة رائجة في دكاكين صغيرة أسفل المباني، مع ما يشير ذلك الى تجارة «مربحة» للقاطنين في المنطقة يؤكده الانتشار الكثيف للماكينات.
إلا ان ابرز ما يطالعك في منطقة الكرنتينا المنكوبة جراء انفجار 4 اغسطس الماضي تغطية واجهات المباني المتهالكة بلافتات عملاقة تشير الى الجهات التي تتولى إعادة بنائها، ثلاث جمعيات ترتفع لافتاتها في شكل كثيف وهي «فرح العطاء» و«انهضي يا بيروت» و«صندوق الزكاة».
زلزال 1958
اثناء جولتها في المنطقة، التقت «الأنباء» الحقوقي جان متى ابن بلاد جبيل الذي أمضى طفولته وشبابه في منزل والديه في الكرنتينا.
يقسّم متى حجم الدمار الذي لحق بالأبنية الى نوعين «دمار شامل او اضرار فادحة للمباني المشيدة قبل العام 1958 الذي شهد زلزالا كان الأخير يضرب العاصمة اللبنانية، وأضرار أخف لحقت بالمباني المشيدة بعد الزلزال».
ويتحدث عن نجاة شقيقته المقيمة في المنزل، اذ كانت تتواجد في غرفة غير مواجهة للمرفأ، علما اننا نتحدث هنا عن مئات الأمتار الفاصلة بين المبنى ومكان الانفجار المدوي. ويتناول متى أعمال الترميم مشيرا الى قيام جمعية «فرح العطاء» بترميم كامل للواجهات الخارجية للمبنى ومبان أخرى في الحي، بينما تُركت أعمال التصليحات الداخلية لنا، وقد باشرنا بها (..) كنت ابتعدت عن الحي واستقررت في مسقط رأسي في قرية كفرمسحون قضاء جبيل، لكنني اشعر بحنين لزيارة بيت الطفولة، لأن الذكريات عالقة في ذهني، اذ ترعرعنا هنا، وكان المرحوم والدي يقصد محله الكائن قرب فندق هوليداي إن للعمل. عشنا الخطر مرارا ابان الحرب اللبنانية، وكأن المكان مرتبط مصير سكانه بالتعرض لأشد الأهوال.
عرب المسلخ
من جهته، عرض ابن منطقة المدور المحامي الدولي نبيل نحاس لـ «الأنباء» تاريخ المنطقة وحزام البؤس الذي اشتهرت به الكرنتينا، وقد نال الدمار من منزل والده الواقع في الضفة الأخرى لمحطة شارل حلو للتسفير البري «حيث كان البحر يجاور منزلنا ويعرف بخليج القديس اندراوس».
وتحدث نحاس عن الكرنتينا التابعة لمنطقة المدور وهي احدى ثلاث مناطق تتشكل منها إداريا تلة الأشرفية الشهيرة في القسم الشرقي من العاصمة «الأراضي تملك غالبيتها الأوقاف المارونية وبلدية بيروت ووقف طائفة الروم الأرثوذكس، الى أملاك خاصة لشخص من عائلة ابوجودة (فوروم بيروت) وأفراد آخرين».
اما سكان الكرنتينا فلهم حكاية أخرى، إذ إن غالبيتهم من العرب الذي قدموا الى العاصمة وعملوا في مسلخها كون ابناء العاصمة لا يزاولون هذه المهنة. ولاحقا عرفوا بعرب المسلخ، ومارسوا صلاتهم في مسجد الخضر في الضفة الأخرى من الأوتوستراد، وهو كان كنيسة تحمل اسم القديس مار جرجس الخضر، وحولها العثمانيون الذي حكموا البلاد الى مسجد. أقام السكان الجدد في بيوت متواضعة غرب النهر الذي يفصل العاصمة عن محافظة جبل لبنان، بينها بيوت الصفيح سابقا حيث فوروم دو بيروت حاليا، وغادروا في الحرب اللبنانية (يصر نحاس على عدم تسميتها حربا أهلية واعتبارها حروب الآخرين في لبنان) بعد معارك مع الفلسطينيين الذين أسسوا مخيما هناك بعد قدومهم الى لبنان في العام 1948، معارك حدثت في يناير 1976، ثم عاد بعدها قسم من السكان من عرب المسلخ بعد نهاية الحرب وسكنوا في منازل لم تهدم وكانت مصادرة من سكان آخرين تهجروا من مناطق كانوا يقيمون فيها.
يتابع نحاس عرض تاريخ المنطقة والعاصمة بيروت، مشيرا «الى دلالة مهمة في التعرف على هوية السكان الأصليين لقاطني الأحياء وهي المدافن، ونشهد هنا غيابا لمدافن خاصة بقاطني الكرنتينا الحاليين (...)».
يعرف نحاس تاريخ المنطقة ويملك معلومات لا توفرها محركات البحث الرقمية، ويتمسك بالحفاظ على تاريخ تلك البقعة من العاصمة، لكنه يدرك الظروف الحالية، شأن أحوال الكرنتينا التي تحولت حزام بؤس وموطئا لمن قصد بيروت تحت وطأة ظروف مرت بها المنطقة، من أرمن وفلسطينيين ونازحين من الداخل اللبناني. منطقة ستبقى موزعة بين مجمعات صناعية وأحزمة بؤس، ولن تعبر اليها المجمعات السكنية الضخمة التي عرفت انتشارا قويا في أحياء من الضفة الأخرى حيث تلة الأشرفية التي اشتهرت بأحيائها السكانية الراقية.
«فرح العطاء»: قوة التطوع
في جولة ميدانية في الكرنتينا، نلحظ تهدما بالكامل لكل المنشآت الصناعية المكونة من هنغارات حديد، بينها كاراج ضخم لوكلاء شركة «مرسيدس» في بيروت، ومركز المعارض والحفلات الدولي «فوروم دو بيروت»، أما المستشفى الحكومي الذي يحمل اسم المنطقة ومركز توزيع الأدوية لمرضى السرطان والأمراض المزمنة باتا خارج الخدمة بعد الانفجار، لكن الحياة عادت لتدب فيهما ولو ببطء، كذلك الحال في مكاتب لشركات تعنى بالاتصالات والبرمجة الإلكترونية والمفروشات والشحن البحري، أما السكان وغالبيتهم من «عرب المسلخ» فيزاولون حياتهم كالمعتاد، ويختلفون عن المئات من الاشخاص الذي يركنون سياراتهم عند نقطة الأوتوستراد المطلة على المرفأ غرب الكرنتينا لمعاينة فداحة الأضرار والتقاط الصور التذكارية: «هم يدركون ان البقاء في المنطقة هو الخيار الأوحد لهم».
اما رئيس جمعية «فرح العطاء» مارك طربيه فيؤكد لـ «الأنباء» ان اكثر من 300 متطوع ثابت يعملون منذ اكثر من شهرين بين الكرنتينا ومار مخايل، هم موجودون على الارض يوميا ضمن فرق تقوم كل منها بمهمة محددة: ملاحقة البضاعة، العدة، التنسيق مع عمال ورش الترميم، المحاسبة، الاكل، الوقاية من كورونا.. ولدينا ايضا مكتب مؤقت في المنطقة يقدم الدعم النفسي والمعنوي لاولاد الكرنتينا خصوصا وسكانها عموما. نعمل مع الاولاد لنعيد لهم بسمتهم من خلال نشاطات فنية ورياضية وترفيهية وغيرها.
وعن تفاعل اهالي الكرنتينا مع الجمعيات والجهات المانحة، يقول: أصبحنا عائلة واحدة، نفرح لفرحهم ونحزن لمصائبهم.
تعمل «فرح العطاء» على اعادة ترميم 31 مبنى وبيتا في المنطقة و25 محلا تجاريا او دكانا، اي انها تقوم بمساعدة 180 عائلة (411 شخصا)، بحسب ارقام المسح الذي اقيم قبل البدء بالعمل، ويؤكد طربيه في هذا الاطار ان «متعهدين كبار قالوا ان المشروع اكبر من طاقاتهم، اما الشباب فبرهنوا كيف ان قوة التطوع بامكانها انجاز الكثير، وهذه هي صورة لبنان الجديد الذي نريد».
الكرنتينا تتنفس.. ولو ببطء. لا تعاند قدرها، تنازع، تقترب من الموت وتكون غالبا نقطة حجر في انتظار العبور الى داخل لبنان من بوابة بيروت.