Note: English translation is not 100% accurate
«القرية القرية.. الأرض الأرض» مجموعة القذافي القصصية على طريقة «زنقة زنقة»
11 ابريل 2011
المصدر : الأنباء

هل كان الزعيم المفكر ملك ملوك افريقيا قائد ثورة الفاتح العقيد معمر القذافي، بحاجة إلى لقب «الأديب القاص» ليضمه إلى قائمة ألقابه الطويلة، وهل كان بحاجة إلى شهادة رسمية بذلك، ممهورة بتوقيع عشرات النقاد والمبدعين، ممن أطنبوا في تعداد محاسن أدب القذافي، وقدموا قراءات وأوراقا ودراسات في مؤتمرات استضافتها جماهيرية العقيد الأديب، لمناقشة مجموعة قصصية اجتمعت الآراء النقدية وهي لا تجتمع أبدا على «فرادتها»، فتحدث البعض عن الزمان والمكان في قصص معمر القذافي، بينما تصدى آخرون لبحث ظاهرة السخرية في أدبه، فيما عكف فريق ثالث على تأمل الموت والخلود في قصص الزعيم، ولم تعدم لغة المبدع القذافي نقادا يحللونها، ويغوصون في بحورها، كاشفين عن دررها في حقل السرديات تحديدا.
لم يكن مستغربا ان يحاول صاحب «الكتاب الأخضر» أن «يتأدب»، وأن يفاجئ القارئ العربي في عام 1993 بإبداعه القصصي في مجموعة بعنوان «القرية القرية.. الأرض الأرض.. وانتحار رائد فضاء مع قصص أخرى» على طريقة «بيت بيت.. دار دار.. زنقة زنقة»، ولكن الغريب هو مكاييل الثناء على تلك المجموعة من قبل كتاب ونقاد عرب «كبار» بعد ذلك.
ورغم أن الشهادات اختلفت درجة تورطها في كيل المدائح، إلا أنها جميعها «ترفع الضغط» أكثر من قراءة المجموعة نفسها، فبعض الشهادات تحاول إلصاق تلك الكتابات التي يمكن أن تسمى تجاوزا خواطر وفضفضة، بجنس القصة بأي شكل، حتى ولو من باب المجاز على حد تعبير أصحابها، فيما توغلت بحوث وشهادات نقدية في الاستخفاف بالقارئ، فرأت في تلك الخواطر تجليات مدهشة، وعوالم تختصر هموما إنسانية وأممية وعربية، وقصصا حداثية متمردة على تقنيات الحدث والشخصية والزمان والمكان واللغة السردية وغيرها ممن سار من القدم بمكان، بعد أن أتى قلم القذافي العبقري بأشكال وأساليب جديدة، أما ثالث المستخفين، فكانوا من قالوا إن القذافي لم ينص في كتابه على أنه مجموعة قصصية، ولذا فهو نصوص، قد توجد بينها بعض القصص.
«المسحراتي»
يقول أحد هؤلاء النقاد عن «القرية القرية»: «هذه المجموعة القصصية تأخذ أيدينا نحو عوالم لافتة من الأداء الأدبي الخصيب، وتجتهد لتأسيس مشهد بانورامي مبهر لآلام وآمال إنسان عربي معاصر، لم يكتف خلاله الكاتب بالارتحال من الماضي الى الحاضر، ومن القرية الى المدينة، ومن شرق العالم الى غربه، ومن الأرض الى السماء، ومن الجنة الى الجحيم، ومن الداخل الى الخارج، ومن الروح الى المادة.. من الحياة إلى الموت. ولكنه عاد يرتحل في الوقت نفسه نحو الاتجاه المعاكس من حاضر الى ماض، ومن المدينة الى القرية، ومن السماء الى الأرض، ومن غرب الى شرق»، ليستشعر القارئ أنه أمام أديب كوني، تأخرت عليه «نوبل»، وظلمته سدة الحكم، ولذا يدعو الناقد نفسه القذافي ألا يحرم القارئ العربي من فيوضاته الإبداعية، قائلا في خاتمة شهادته: «أتوجه بالدعوة الى صاحبها (المجموعة العبقرية) كي يعكف بقدر ما يتاح له من الوقت والصفاء ليمنحنا قصصا جديدة ومتعا جديدة، وما أحوجنا الى مثل هذه القصص التي يمكن أن تكون هي المسحراتي الذي يوقظنا من سبات عميق مازلنا نغط فيه». أما عن لقب «المسحراتي» الذي خلعه الكاتب العربي على المبدع القذافي، فربما استوحاه من قصة للأخير بعنوان «المسحراتي ظهرا»، وليس في وقت الفجر كما المعتاد، فمسحراتي القذافي لابد أن يختلف عمن سواه، وكذلك بناء شخصيته والحبكة وغيرها من اللوازم الكلاسيكية التي في غنى عنها صاحب «القرية القرية».
يستهل القذافي قصة المسحراتي قائلا: «كلنا نعرف المسحراتي.. ونحبه.. حتى الأطفال كانوا يحبون شهر رمضان، وينتظرونه بفارغ الصبر من أجل المسحراتي وصوته الموقظ للنيام.. وطبله البسيط جميل الإيقاعات الرتيبة المصاحبة لذلك الصوت المألوف كل عام، وفي كل ليلة من ليالي رمضان الكريم.. وكلنا يسمع تلك الدعوات الحسنة المحبوبة وننصت إلى مفرداتها الطيبة.. ويرددها الأطفال مدة طويلة».
ربما يتقمص قارئ ما قناع أحد النقاد المنافحين عن أدب القذافي، فيقول لا غضاضة في الاستهلال، فالكاتب قد يكون تعمد تلك البداية التقليدية التي تتماشى مع روح وشخصية المسحراتي التراثية، كتمهيد عادي لحدث غير عادي، يأتي فيما بعد، وعلى مطالع القصة أن يستعد للمقبل: «كافأ الله المسحراتي خيرا وجزاه أجرا لجهده المتواضع ونداءاته المتكررة في آخر الليالي المظلمة لإيقاظنا كي نتناول سحورنا، ونستعد لصيام يوم قد يكون طويلا. إن المسحراتي شخصية فريدة نادرة ليس مثله كثيرا، بل إن المسحراتي إنسان منقطع النظير إلى أبعد حد، وله قدرات لا تتوافر في غالبية الناس.. ومسؤولية المسحراتي مسؤولية أدبية تتعلق بالضمير والسريرة والإلزام الذاتي.. وهو حريص على إيقاظ كل نائم، ويتجشم المتاعب ويقطع المسافات مشيا على قدميه، ويتخلل كل الأزقة والخلوات ليوقظ أصحابها».
وعلى هذه الوتيرة تسير القصة، ولا عزاء للحدث، وكل قواعد الحكي، وحتى لو اعتبر البعض تلك «الإبداعات» كتابة مقالية، فما الجديد الذي تقدمه؟ وأين الفكرة أو الصورة أو أي شيء؟ علم ذلك عند النقاد الذين رأوا في تلك الكتابة المتواضعة ما لم يبصره سواهم.
سخرية
قد يتفق القارئ مع دارسي المجموعة ومقرظيها في جزء من ملمح ألح عليه كل من تصدوا لتحليل «الأرض الأرض»، وهو السخرية، ولكن ليس بالمبالغة التي رآها أحد النقاد الذين استضافتهم مؤتمرات العقيد حين قال: «القذافي كاتب ساخر إلى درجة جارحة، ولكنه يجرح ليداوي، يؤلم ليشفي، فهو صاحب رؤية وصاحب رسالة وصاحب قضية.. فأخذ على عاتقه تنظيف الجرح، ولكنه جرح واسع عميق، يمتد على مساحة الوطن العربي بل والإسلامي، ويضرب جذوره بعيدا في أعماق التاريخ. والقذافي يعي هذه الحقيقة جيدا».