Note: English translation is not 100% accurate
كونوا معنا
طبِّقوا القانون دون عنتريات
27 مارس 2010
المصدر : الأنباء
في كل بلدان العالم المتحضر تأخذ عملية سن قانون جديد، خصوصا عندما يمس شرائح واسعة من المجتمع، الكثير من الدراسة والمناقشات من قبل لجان متنوعة من الخبراء. ثم توضع آليات منهجية لتطبيقه على مراحل متدرجة، قبل أن يأخذ صفة النفوذ، إلا عندنا.
فغالبا ما تتم العملية بسرعة قياسية، تعقبها حملة تصريحات مدوية، ومقابلات مكثفة على التلفزيون، وعبر الصحف اليومية، تشرح الميزات التي يتحلى بها القانون الجديد، والفوائد التي ستنعكس على المواطن، محذرة في الوقت نفسه كل من تخول له نفسه الالتفاف عليه، أو مخالفة أي من بنوده.
وتتويجا لجهودها في نهاية المطاف، تضع عادة السلطة التنفيذية التي أصدرت القانون، كل إمكاناتها البشرية، خلال الأيام وربما الأسابيع الأولى، لتشرف على حسن تطبيق قانونها الجديد. لكن سرعان ما تبدأ عملية التراخي تدريجيا، كما جرى العرف، إلى أن يتلاشى كغيره من القوانين المماثلة التي سبقته.
أليس هذا ما حصل بالضبط لقانون السير الجديد الذي تم البدء بوضعه في حيز التطبيق صباح 13 مايو الماضي؟ أين هو الآن على أرض الواقع؟
لقد اعتقدنا ونحن نرى الزخم الذي دفعت به وزارتا النقل والداخلية، خلال الأيام الأولى، بأن شوارع مدننا وطرقاتنا العامة، سوف تشبه، إلى حد ما، شوارع وطرقات أوروبا بنظامها، فاستبشرنا خيرا.
لكن سرعان ما انسحب ضباط الشرطة بعد أيام من مواقعهم، تاركين وراءهم الأمر لعناصرهم، كي تعود الأمور إلى حالتها القديمة من التسيب، الذي نعرف أسبابه جميعا.
بعد أيام قليلة تصدر وزارة الاقتصاد والتجارة قانون الفوترة الجديد، الذي يلزم البائع بتنظيم فاتورة ممهورة بخاتمه الرسمي، مهما كان مبلغها ضئيلا. وسوف ترون أنه سيسلك المسار نفسه: تصريحات إعلامية من فوق كل المنابر للتبشير بهذا القادم الجديد الذي سوف «يخرج الزير من البير» ويضع حدا نهائيا لكل عمليات الاختلاس التي كان يمارسها الباعة الجشعون بحق المستهلكين البسطاء. وسوف تجند الوزارة، كما في كل مرة، موظفيها في مديريات التجارة الداخلية المتواجدين في كافة المحافظات والبلدات، للتأكد من حسن تطبيق واحترام القانون الجديد.
وبما أن التجار يعرفون جيدا، بحكم التجربة الطويلة، أن هذا الزخم والتشدد في الرقابة عمره أيام، أو بضعة أسابيع، فإنهم سيواجهون القانون الجديد بتخفيف حركة مبيعاتهم وشرائهم إلى حدودها الدنيا، تهربا من تحرير أي فاتورة رسمية. الأمر الذي سوف ينعكس سلبا على حركة تداول الكثير من السلع الأساسية في الأسواق، خصوصا إذا تزامن إصدار القانون مع حلول شهر رمضان، فستكون منعكساته أكثر قسوة.
ما من سلطة تنفيذية في العالم، بوسعها أن تطبق قانونا بالعنتريات، مهما كان هذا القانون لصالح الوطن والمواطن، إذا لم يكن لشريحة واسعة من المتعاملين معه مصلحة حقيقية في حسن تطبيقه.
كان يمكن لقانون الفوترة المزمع إصداره الا يلقى أي عرقلة في تطبيقه، لو سبقه قانون يلزم المستوردين وتجار الجملة ونصف الجملة والمفرق، بتسديد عمليات البيع والشراء فيما بينهم، وحصرا، بموجب مدفوعات تتم عن طريق أحد المصارف، (شيك، بطاقة اعتماد، أو تحويل من حساب إلى حساب) مهما كان مبلغ الفاتورة ضئيلا، وكمرحلة أولى. يمكن في وقت لاحق توسيعها لتشمل أي عملية بيع أو شراء يقوم بها الأفراد، مع جهات تجارية، أو فيما بينهم، كشراء بيت أو سيارة، أو حتى تأجير عقار. الأمر الذي يسهل تطبيق أي قوانين لاحقة من شأنها السيطرة على حركة النقد والمداولات التجارية بشكل منظم.
هدى العبود