Note: English translation is not 100% accurate
«بردى» رمز دمشق يغتسل بدموعه.. فهل من ينقذه؟
8 يناير 2011
المصدر : الأنباء
«سلام من صبا بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق»، مطلع قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي تغنى فيها بجمال نهر بردى الذي عاشت دمشق على إيقاع نبضه قرونا طويلة، لكنه اليوم تحول لرمز مفقود للمدينة.. جفت مياهه وتلوث ما بقي منها، فأمسى بردى الحاضر في حكايات عشق الأدباء والشعراء والمستشرقين لدمشق شاهدا يحتضر على وحشية الحضارة المدنية الحديثة التي يتغنى بها الكثيرون.
لكن بردى لم يكن ذلك الرمز الأثير عند شوقي وحده، إذ يستذكر الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم جماله وهو يردد قصيدة شوقي لدمشق، ويروي كيف طلبت المطربة أم كلثوم بإصرار رؤية النهر الذي يلهم الشعراء عند زيارتها لدمشق، ويضيف «الألم يعتصر قلبي وأنا أراه جافا اليوم بعدما شهدت عظمته بالأمس، لقد بكيت مطولا وأنا أتأمل ما بقي منه»، لكن الشاعر السوري سليمان العيسى ـ الذي ألف لبردى قصائد عديدة يتغنى في إحداها بخلوده ـ لايزال يجد فيه «رمز دمشق الخالد»، لذلك يرفض «الشفقة أو الحزن عليه».
ويضيف العيسى أن «بردى هو الجندي المجهول وسيبقى بأي حال له، فكل حصاة فيه تقاتل لأجل إحياء البلدان الأخرى».
نهر الجنة
ينبع بردى ـ الذي أطلق عليه قديما «باردايس» (الجنة) ـ من بحيرة نبع بردى في جنوب الزبداني على سلسلة الجبال السورية شمال غرب دمشق، ويصب في بحيرة العتيبة جنوب شرق مدينة دمشق.
وللتغير المناخي دور رئيسي في جفاف النهر على رأي البعض، لكن المذنب الأكبر في قتل هذا الرمز هو الانسان. فإلى جانب الزحف السكاني الكبير باتجاه العاصمة فقد بات النهر الخالد مصبا لمياه الصرف الصحي والزراعي ومخلفات المنشآت الصناعية. والأدهى والأمر أن المطاعم والمقاهي التي ما كانت لتزدهر على ضفتيه لولا مياهه المتدفقة شريكة أيضا في الاجهاز عليه.
يضاف الى ذلك، زيادة الطلب على المياه سواء لجهة مياه الشرب أو لاستخدامات الري والصناعة وغيرها من القطاعات الاقتصادية، في الوقت الذي كانت فيه تغذية النبع سنويا تنخفض في ظل تذبذب الهاطل المطري، وفي الماضي كان نبع بردى ونبع عين الفيجة يجتمعان معا ويصنعان هذا الجريان الذي كان يستمر حتى في فصل الصيف، لكن الطلب المتزايد وانخفاض المنسوب أدى تدريجيا لانخفاض جريان النهر.
وتتمثل زيادة الطلب في حوض بردى والأعوج وفي نبع بردى تحديدا في عدد الآبار التي تم حفرها من قبل المزارعين، سواء تلك المرخصة أو غير المرخصة لسقاية المزروعات التي نمت بشكل كبير مقارنة بالعقود الماضية، واعتمادها لفترة زمنية على الري بالطريقة التقليدية المهدر للمياه بشكل كبير، وهذه الآبار يقدر عددها اليوم بالمئات، فوفق مديرية الموارد المائية بدمشق وريفها فليس هناك أي إحصائية عن عدد الآبار المخالفة في حوض النبع، لكن الأرقام المتوافرة تقول إن عدد الآبار المخالفة بكل مصادر مياه الشرب في الزبداني وعلى مسافة كيلومتر واحد يبلغ نحو 1100 بئر، وفي كل محافظة ريف دمشق هناك نحو 6500 بئر.
على أن الأهم هنا هو العجز الذي بدأ يظهره نبع الفيجة وهو أحد المصادر الرئيسية لتغذية نهر بردى، ففي السنوات السابقة وصل عجز النبع في أشهر الصيف إلى حدود غير مسبوقة وأحيانا خطرة نتيجة تدني الهاطل المطري وزيادة استهلاك المياه والهدر الحاصل فيها.
وتشير دراسة تقييم حساسية قطاع المياه للتغيرات المناخية في سورية إلى أن قطاع البلديات في حوض بردى والأعوج يستهلك جزءا كبيرا من موارد الحوض (24%)، لتأمين مياه الشرب، وهو الأكبر مقارنة مع ما يستهلكه هذا القطاع في الأحواض الأخرى وبالتالي فهو الذي سيكون الأكثر تأثرا. وقد قامت مدينة دمشق لتخفيض الضياع والهدر من شبكات مياه الشرب بتحسينات كبيرة. كذلك فإن نوعية المياه الجوفية التي تشكل مصدرا آخر لمياه الشرب تتدهور خاصة في سهل دمشق نتيجة للري الجائر والتسميد المفرط والتلوث الناتج عن الفضلات الصناعية والمنزلية، أدى هذا إلى إغلاق ما يزيد على 200 بئر من آبار الشرب عام 2005 وزاد من الضغط على الموارد الأكثر عذوبة من نبعي الفيجة وبردى.
والأهم.. كان هنا
لكن السبب الأكثر اهتماما وإثارة للجدل يتعلق بتوجه الحكومة بعد منتصف التسعينيات من القرن الماضي لتوفير مياه الشرب للعاصمة ودعم نبع الفيجة من المياه الجوفية لنبع بردى، فجرى حفر العديد من الآبار لتلك الغاية وأثر هذا تأثيرا لا يقبل الشك على جريان نهر بردى، إنما الخلاف يدور دوما حول حجم هذا التأثير، ففي الوقت الذي يعتبره سكان المنطقة سببا مباشرا أثر على جريان النهر وعلى المزروعات على جانبي مجرى النهر من منبعه مرورا بالغوطة وانتهاء بالمصب، ترى الجهات المسؤولة عن المشروع أن التأثير لم يكن بذلك الحجم.
وتقول د.ابتسام حمد ـ رئيسة قسم العلوم البيئية في كلية العلوم بدمشق، والتي أشرفت على العديد من الدراسات التي تتناول تلوث بردى ـ إنه في تسعينيات القرن الماضي بدأ النهر يفقد تدريجيا ملامحه، حيث حول مجراه إلى منطقة عدرا لتنقية مياه الصرف الصحي بالنهر، وتم تبليط مجراه في منطقة المعرض الدولي مما ساهم في الحد من تدفقه.
وترى د.حمد أن النهر الآن يحتاج إلى دعم بمجار خاصة تنجيه من الصرف الصحي، فالطبيعة -التي تمنح الأنهار عادة أنواعا مختلفة من النباتات تقوم بتنقيتها تلقائيا من التلوث عبر امتصاص العناصر الثقيلة ـ باتت عاجزة في حالة بردى «لأن التلوث فاق طاقته» فلم يعد النهر قادرا على التنفس.
مقترحات للحل
خضع بردى خلال السنوات السابقة لحملات تنظيف لمجراه بدعم من جمعيات أهلية ومؤسسات دولية، لكن د.حمد تجد أن العمل البيئي لا يكفيه هذا مثل هذه الجهود، بل يحتاج إلى تكاتف وتنسيق بين الجهات الخاصة والعامة، «فالنهر يحتاج لمحطات تنقية عديدة، وهذا ما تلجأ إليه الدول التي تحرص على الحفاظ على جمالية أنهارها». ورغم الحملات المتعددة فإن النهر لايزال على حاله، ولاتزال رائحة مجاري الصرف الصحي طاغية على أماكن تحيط به تبعد المارة عنه، فمنظره لا يجذب الناس لتأمله، بل يسارع البعض لتخطيه عند المرور قربه تفاديا للرائحة الكريهة المنبعثة منه.
لكن د.حمد ـ وبعيدا عن تخصصها في مجال البيئة ـ تنظر الآن إلى بردى بشوق وحزن، حالها حال من عاصره فترة تألقه، وحال عشاق دمشق الذين لم تتيسر لهم رؤيته سابقا، لكنه بات محفورا في مخيلتهم من خلال قصائد الشعراء، أو ربما لأنهم يحسنون الاستماع لأنين نهر اغتسل بدموعه... دموع باتت وحدها النقية التي تجري فيه وتروي قصة مجد لنهر يصارع للبقاء.