القاهرة ـ أ.ش.أ: يكشف الرد السوري المشروط على رسالة الأمين العام للجامعة العربية د. نبيل العربي والتي تطالب دمشق بضرورة التوقيع على بروتوكول بعثة مراقبي الجامعة لتقصي الحقائق في سورية، عن مدى مناورة ومماطلة وتسويف النظام السوري في الاستجابة للحل العربي للأزمة السياسية المتفاقمة التي تهدد بنيان وكيان الدولة ذاتها.
وقد طلبت دمشق من الجامعة العربية مهلة أخرى لمدة يومين أو ثلاثة، مؤكدة أنها توافق على التوقيع على بروتوكول بعثة المراقبين، ولكن في دمشق وليس في مقر الجامعة في القاهرة.
فضلا عن اعتبار الملاحظات التي أبدتها الجزائر بشأن بعض البنود الواردة في البروتوكول وما صرح به الأمين العام للجامعة ورئيس اللجنة الوزارية المعنية بتطورات الوضع في سورية حمد بن جاسم آل ثاني حول تأكيد رفض التدخل الأجنبي في الشأن السوري جزءا لا يتجزأ من مشروع البروتوكول.
وتكشف تطورات الأزمة السياسية في سورية منذ اندلاعها في 15 مارس الماضي والتي تعد امتدادا لثورات الربيع العربي المطالبة بالحرية والعدالة والكرامة وإسقاط النظام، عن إمكانية دخولها النفق المظلم في ضوء التعقيدات الإقليمية والدولية بشأن الأزمة وعلى خلفية مجموعة من المعطيات والحقائق التي يصعب تجاوزها.
أول هذه المعطيات والحقائق، تماسك الجبهة العسكرية: فعلى الرغم من حدوث بعض الانشقاقات العسكرية لبعض قوات الوحدات السورية، إلا أن النظام السوري مازال مهيمنا ومسيطرا على مقاليد الأمور الأمنية والعسكرية. وإن كانت بعض التقديرات الاستراتيجية قد قللت من حقيقة هذه السيطرة، بسبب أن النظام ربط مصيره بمصير الطائفة العلوية وقد فعل ذلك عمدا وبوعي كامل، بغرض ضمان ولاء الأجهزة الأمنية.
وتشير هذه التقديرات إلى تلاعب النظام في سورية بالتمايزات الاجتماعية الثقافية، وعرض الطائفة العلوية للخطر من أجل الاحتفاظ بسلطته، ولعب بورقة الأقليات ضد الأكثرية السنية، وسلط قواته الأمنية ضد المحتجين العزل، وتعامى عن أعمال إجرامية قامت بها قواته النظامية، منها السرقة والخطف وتهريب الأسلحة.
ولطالما وفر الحصانة للفساد وسوء الإدارة وانعدام الكفاءة حين تخدم تلك الممارسات مصالح العائلة الحاكمة. والنتيجة هي تآكل الدولة والمؤسسات الاجتماعية.
وبينما تلوح في الأفق أزمة اقتصادية كبرى، فإن من المؤكد أن يستنزف النظام خزائن الدولة لدعم فرص بقائه.
ويعتقد بعض المراقبين أن النظام السوري الحاكم مسؤول عن تفاقم واستغلال المشاعر الطائفية ومحاولة تغذيتها، وبالتالي أصبحت قاعدة النظام اليوم أضيق إلا أنها تزداد راديكالية وتماسكا حول نواة صلبة مكونة من العائلة الحاكمة، ومن موالين ازداد عزمهم على القتال بقدر ما اشتد تورطهم في القمع الوحشي طوال شهور.
فإذا فقد النظام سيطرته على العاصمة فسيتراجع الموالون المتشددون إلى قراهم للدفاع عن أسرهم التي أعيدت منذ وقت طويل إلى الريف لحمايتها.
ثاني الحقائق، أن قوى المعارضة في سورية لم تتمكن بعد من تشكيل قوة ضاغطة على النظام السياسي، فرغم ما يتردد عن حدوث بعض الانشقاقات داخل النظام، إلا أن هذه المعارضة مازالت مبعثرة وتفتقد الهياكل المؤسسية والتنظيمية والنخبوية.
ثالث الحقائق يتمثل في تشابك وتعقيدات الموقف الدولي، ففي الوقت الذي اعترفت فيه الخارجية الأميركية من تحول الثورة السلمية الى ثورة مسلحة تؤدي الى الانزلاق لحرب اهلية، وجهت روسيا بوارج حربية إلى المياه الإقليمية السورية، واعتبرت موسكو دمشق خطا أحمر.