Note: English translation is not 100% accurate
تحقيق
الشبيحة.. رعب بطعم الموت يحركه الولاء للمال والسلطة والطائفة
1 سبتمبر 2012
المصدر : الأنباء
مع استمرار الحراك الثوري السوري ترتفع وتيرة العنف من النظام وتتعدد آلياته، فيما تزداد معدلات القسوة والوحشية، ليستمر السوريون في دفع أثمان باهظة لمعارضتهم نظام بشار الأسد الذي يمثل امتدادا لسيطرة العلويين على الحكم منذ انقلاب نوفمبر 1970 وصعود حافظ الأسد إلى سدة الحكم.
ورغم تعدد الأساليب الوحشية التي يستخدمها النظام السورى لقمع الثورة الشعبية، ليصل عدد الضحايا منذ بدء الأحداث في 15 مارس 2011 إلى أكثر من 30 ألف شخص، إلا أن دور ما يطلق عليهم اسم «الشبيحة» يبقى الأبرز في واجهة الأحداث، نظرا لما يثيرونه من رعب أثناء تنفيذ أعمالهم الإجرامية، وهو ما جعل منهم ذاكرة مفعمة بالخوف لكل السوريين.
وفى الوقت الذي تكسب الثورة يوميا أرضا جديدة، تكسب تنظيمات الشبيحة أعوانا جددا بانضمام عناصر من المجرمين لا هم لهم إلا المال، مع إثبات الولاء للنظام والطائفة العلوية، وذلك رغم عدم الانتماء لها في كثير من الأحيان.
وإذا كان الشبيحة في ظل حكم الأسد الأب ينتمون إلى الطائفة العلوية فقط، إلا أن قاعدتهم توسعت عندما توسعت الثورة، حيث استعان النظام من خلال خلية الأزمة التي يرأسها بشار الأسد بمجموعة من الأشخاص أطلق عليهم صفة «العمال» وهم من كل الفئات، وقام بتسليحهم لقمع المظاهرات، وكان يعطي كل واحد منهم مبلغ 10 آلاف ليرة سورية يوميا (نحو 200 دولار)، ويزداد المبلغ في حال تنفيذ أعمال القتل المصحوبة بالعنف المفرط.
ويقول الأديب ممدوح عدوان ـ الكاتب السوري الوحيد الذي تكلم عن الشبيحة والتشبيح قبل قيام الثورة ضد نظام الأسد في كتابه «حيونة الإنسان» ـ «إن التشبيح كلمة ممتلئة بالمعاني، فهي مزيج من الزعرنة والسلبطة والتبلي، وهي مصطلحات سورية تعني كل ما يقفز فوق القانون علنا».
وجاءت تسميتهم نسبة إلى سيارات الشبح السوداء التي كانوا يستخدمونها، وغالبا ما تكون بلا أرقام، كما كانوا فوق القانون لأنهم حظوا بدعم حافظ الأسد، ويتخذون من القرداحة ـ مسقط رأس الأسد ـ مقرا لهم.
ويستخدم الشبيحة القوة للاستيلاء على موارد مادية أو منافذ مجزية للدخل مثل الموانئ الخاصة، حيث تشير المصادر إلى أن رفعت الأسد شقيق الأسد الأب وعم الرئيس الحالي كان له ميناء خاص في اللاذقية، لم يغلق إلا بعد تفجر الصراع بينه وبين أخيه الرئيس عام 1984، كما حل سرايا الصراع التي نفذت مجازر تدمر 1980 ومجازر حماه 1982.
ويتصف الشبيحة بالخشونة والقسوة والتبعية العمياء لرؤسائهم الذين يطلق عليهم لقب «المعلم» أو «الخال»، وهم بذلك أقرب إلى منظمات المافيا، وهم معروفون من قبل أجهزة الحكم المركزية التي تغض النظر عنهم.
وفي ثمانينيات القرن الماضي كان الشبيحة المتمتعون بحصانة تامة يتصرفون بحرية مطلقة، حتى انهم كانوا يقومون مثلا بإجبار زبائن مقهى على الانبطاح تحت الطاولات، أو يقتلون شابا رفض إهانة من أحدهم، أو يستخدمون التهديد للاستيلاء دونما مقابل أو بمقابل زهيد على أملاك اشتهوها لأنفسهم، أو يغتصب زعماءهم فتيات جميلات، أو يتولوا التحكيم بين شخصين مع نيل عمولة كبيرة ممن يفوز، وهو الأغنى طبعا.
وكانت قوة الشبيحة إبان حكم الأسد الأب مستمدة من أن مهمتهم الرئيسية هي التذكير الدائم بقوة وسطوة عائلة الأسد وأقربائهم من أمثال آل مخلوف (اللاذقية وريفها) وآل نجيب (جبلة وريفها).
وتشير بعض المصادر إلى أن عدد الشبيحة ربما يصل الآن إلى نحو 100 ألف ويمولهم رجال أعمال لديهم علاقات واسعة بالنظام من السنّة والعلويين على حد سواء، ومنهم رجل أعمال شهير سني ويمتلك إحدى الفضائيات.
وغالبا ما يرتبط الشبيحة بالعائلات الكبيرة في مناطقها مثل أسرة آل بري في حلب، وهي أسرة سنية من قبائل الجيس «القيس» كانت تدين بالولاء للنظام منذ زمن الأسد الأب، وكان لها دور في إخضاع حلب خلال ثمانينيات القرن الماضي، ولذلك كافأها حافظ الأسد بأن أطلق يدها في حلب، وكانت تمارس سلطات واسعة على الشعب الحلبي ووصل عدد من أبنائها إلى البرلمان.
وكان هؤلاء يعملون في تجارة المخدرات ولديهم سجون ومعتقلات خاصة، ويفعلون ما يشاءون بالناس ويأخذون من التجار أموالا مقابل ما يسمونه «الحماية»، وقد استمر هذا الحال لسنوات طويلة.
وأشارت بعض التقارير إلى أن لدى هؤلاء أكثر من 5 آلاف شبيح، ومؤخرا في الثورة استطاع آل بري أن يفرضوا مع قوات الأمن الرسمية السيطرة على حلب وإخافة الناس، وكان هذا سببا في تأخر وصول المظاهرات السلمية إلى هناك أو أن الحلبيين أدركوا أن المظاهرات ستكلفهم الكثير مثل حمص ودرعا وغيرها.
ومنذ بداية العام الحالي بدأت ملامح تحرير الريف الحلبي واضحة للعيان، وهذا الريف هو خزان من القبائل العربية والتركمانية التي لها صلات واسعة بتركيا بسبب القرب الجغرافي.وعقب إتمام السيطرة لهم على الريف ولاسيما (عزاز، وعندان، وحريتان، وبيانون) والسيطرة على معبر السلام ومعبر باب الهوى المؤديان إلى تركيا، اندفعت القوات الثورية بقيادة أحرار حلب وبقية الفصائل وتمكنت في شهر يوليو الماضي من السيطرة على أكثر من 60% من حلب، ومنها منطقة «باب النيرب» القديمة. و«باب النيرب» هي قلعة آل بري، حيث تمكن الثوار من قتل عدد كبير منهم، كما تم إعدام عدد منهم حيث بثت بعض الصور على اليوتيوب، ومنهم زينو البري أحد كبار مشايخهم وأحد أهم الداعمين للشبيحة. أما في العاصمة دمشق فيتوزع الشبيحة في منطقة «مزة 86» وهى حي علوي أقامه النظام السوري للعلويين الذين جلبهم من الساحل قرى (اللاذقية، وطرطوس، وجبلة)، وجعله بمثابة «كانتون علوي»، وقام بتسليحهم مع بدء الثورة. وكانت مهمتهم القضاء على المظاهرات السلمية في دمشق أو الذهاب بهم إلى أبعد من دمشق مقابل المال، وكذلك «حي الورود» وهو حي عشوائي تقطنه غالبية من المتطوعين في قوى الأمن وبعض البلطجية وأولاد الشوارع، وحي «عش الوروار» و«جب الرز» وهي أحياء نشأت بتخطيط من النظام للسيطرة على العاصمة في حال اندلاع أي احتجاجات، وسكانها من العلويين وهم إما رجال أمن أو متعاقدون «مخبرون» أو أصحاب الأكشاك أو سائقي السيارات، وكلهم تحولوا إلى شبيحة لقمع المظاهرات سواء في دمشق أو درعا.وفي حمص، المدينة السنية المسيحية ذات التاريخ العريق، حيث يتواجد العلويون في القرى وتقع جنوب وغرب حمص، فالنظام السوري بدأ فيها بخطة تغيير ديموجرافي منذ عهد الأسد الأب وأنشأ فيها أربعة أحياء ذات غالبية علوية وهي (الزهرة، والنزهة، وعكرمة، ووادي الذهب)، وأقام فيها العلويون القادمون من القرى أو الساحل السوري حيث يقع جبل العلويين. وأنشئت تلك الأحياء تحت ذريعة أن حمص وهي المنطقة الوسطى بسورية توجد بها أغلب الكليات العسكرية، ولذلك فإن سكانها كانوا من الضباط ورجال الأمن أو تابعين للنظام. وفي حماة، وهي جزء من المنطقة الوسطى ومشكلتها أنها المحافظة الوحيدة التي ليس لها حدود خارجية مع دول جوار سورية حيث انها مغلقة تماما، وسكان المدينة سنّة يتوزعون بين ثلاث فئات (العرب، والتركمان، والأكراد)، وكلهم يتحدثون العربية بلهجة شامية. والمحافظة محاطة بالمتناقضات، فجهتها مع حلب أو الرقة تقطنها قبائل عربية مثل «الحديديون»، ومنهم وزير الدفاع الحالي فهد جاسم الفريج رغم أن كل القبيلة ناشطون في الثورة، وأيضا الشيخ أحمد الجرخ الحديدي وهو عضو مجلس القبائل العربية.وتقيم بها قبائل (عنيزة، وشمر، والعقيدات، والموالي) وغيرها، وهؤلاء بشكل عام يعملون مع الثورة، في حين أن الريف الذي يفصل بين حماة والساحل يقسم إلى ثلاث فئات هم: المسيحيون ويقفون على الحياد، حيث نصب النظام قطع المدفعية وقصف حماة من تلك القرى لخلق فتنة طائفية، والعلويون والمراشدة وهم مع النظام، في حين أن الإسماعيليين وهم يقطنون في منطقة السلمية التابعة لحماة وتفصلها عن الرقة كانوا من أوائل المنتفضين ضد النظام. أما القرى العلوية والمرشدية وهم شبيحة النظام ضد أبناء حماة لأسباب تاريخية، حيث كان يطلق على قسم كبير من أهالي مدينة حماة لقب «الأغوات»، وهو لقب عثماني للأثرياء وملاك الأراضي، وكان العمال والخدم عند الحمويين من أبناء الطائفة العلوية ويحملون حقدا تاريخيا لأبناء هذه المدينة.