Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
القصير «ستالينغراد السورية» أهمية إستراتيجية مستحقة أم تضخيم إعلامي؟
5 يونيو 2013
المصدر : الأنباء
لم تكتسب أي معركة في سورية ومنذ اندلاع الحرب قبل عامين أهمية استراتيجية ومعنوية ونفسية مثل المعركة الدائرة في القصير منذ ثلاثة أسابيع، الى درجة أنها اعتبرت المعركة الفصل بين النظام والمعارضة ونقطة التحول في مسار الحرب، من وجهة نظر خبراء عسكريين فإن لمعركة القصير أهمية جغرافية كبيرة فيما يتعلق بالطريق الجنوبي الذي يربط مدينة حمص بالساحل السوري، كما انها تفرض التحكم بالمداخل الجنوبية لمدينة حمص، ونجاح عملية القصير سيمكن الجيش من تأمين محافظة حمص بشكل عام وتأمين طريق الساحل السوري والحفاظ على خط التواصل الطارئ مع العاصمة دمشق، والمعركة لها أهمية عسكرية وسياسية بالنسبة للنظام لأنها تزيد من اللحمة المعنوية حول الدولة في حين تؤدي الى مزيد من التفكك في صفوف المعارضة ومن تبادل الشكوك والاتهامات حول أسباب الهزيمة، كما انها تقدم تجربة عسكرية جديدة من خلالها يكرس الجيش السوري مجموعة من قواعد الاشتباك التي يمكن تسميتها «قواعد القصير» وهي تشكل منطلقا لكيفية ادارة العمليات العسكرية مستقبلا في مختلف أنحاء سورية، ومن الممكن القول بان المزيج من القوات النظامية وغير النظامية والحلفاء المدعومين من قوات جوية ومدفعية تحول الى «وصفة» النظام لإدارة المعارك.
ووفق هؤلاء الخبراء فإن الجيش السوري أحرز تقدما حاسما في المدينة بالرغم من بطء سير المعارك وبات سقوطها بالكامل مسألة وقت، فالجيش السوري مدعوما بوحدات النخبة من حزب الله يمتلك القوة النارية وخطوط الإمداد الخلفية في حين ينتشر مقاتلو المعارضة في منطقة منبسطة عموما وتخلو من التضاريس الجغرافية التي تساعد على خوض حرب عصابات طويلة، وكل هذه العوامل ترجح سير المعركة لمصلحة النظام بصرف النظر عن الكلفة التي ستكون باهظة على الطرفين.
في المقابل، يرى محللون عسكريون أن القصير فاجأت النظام بقدر ما فاجأت حزب الله اللبناني خاصة أن تمكن مقاتلي المعارضة من صد القوات المهاجمة لأكثر من 3 اسابيع شكلت ضربة للقوات المهاجمة التي وعدت بـ «تحريرها» خلال 72 ساعة، وقال الخبراء ان هذه المعركة لن تكون نزهة سهلة للنظام في حين انها اغرقت حزب الله في الرمال السورية المتحركة. ويرى هؤلاء ان ذلك مرده الى ان الجيش الحر يستخدم نفس اسلوب حزب الله في المعارك، مشيرين الى ان تحت القصير مدينة أخرى من الانفاق والدهاليز. ودلل هؤلاء على رأيهم بتمكن اكثر من الف مقاتل من الجيش الحر من دخولها بأسلحتهم رغم ما يقوله النظام انه يطبق على المدينة من جميع الجهات.
وهناك ثمة من يرى عند خبراء السياسة والإعلام ان معركة القصير أعطيت حجما استراتيجيا أكبر من حجمها الواقعي ولم تكن المدينة تعطى كل هذه المكانة الاستراتيجية والإعلامية عندما كانت في يد المعارضة، وأما الأهمية التي أعطيت لمعركة القصير والحجم الكبير الذي أخذته فمرده الى الأسباب التالية:
1 ـ تم تغليب الاعتبارات الاستراتيجية التي تخص حزب الله على تلك التي تخص الثورة، فخط الامدادات من الساحل السوري الى حزب الله في لبنان حيوي بالنسبة اليه وكذلك تواصله جغرافيا مع سورية عبر منطقة الهرمل ـ القصير، اضافة الى قطع خط الإمداد اللبناني للمعارضة المسلحة والسيطرة على الحدود اللبنانية ـ السورية.
2 ـ النظام يحتاج الى «انتصار معنوي» لم يستطع أن يحققه في حلب، وهو يعطي معركة القصير أهمية فائقة ويصور الانتصار فيها مقدمة لاسترداد زمام المبادرة العسكرية وتدشين واقع جديد على الأرض، والمعارضة من جهتها تنخرط في عملية التضخيم والتهويل لاستجلاب الدعم والتعاطف من أعداء حزب الله وإيران والنظام السوري.
3 ـ هناك صلة بين معركة القصير والحل السياسي المتمثل فيما بات يعرف بـ «جنيف 2»، ايران مهتمة جدا بهذه المعركة ليس فقط بهدف تأمين الطريق لنظام الأسد الى الساحل السوري وإلى «خطة ب» إذا فرضت عليه (التقسيم)، وإنما لهدف آخر يتمثل في وضع «القصير» على مائدة الأسد في مؤتمر «جنيف 2» لتعزيز موقعه التفاوضي، وإذا كانت معركة القصير هي الهدية الإيرانية عبر حزب الله للنظام السوري في المؤتمر الدولي فإن هذه «الهدية» تؤشر الى وجهة التفاوض الاقليمي في هذا المؤتمر وترمز القصير فيما ترمز اليه الى ان الطريق من دمشق الى الساحل سيكون أحد خطوط المفاوضة.
وفي إطار «جنيف 2» أيضا تبدو معركة القصير نوعا من الضغوط على المعارضة لاجبارها على الدخول في الحل السياسي من دون شروط مسبقة (تنحي الأسد وعدم حضور ايران)، خصوصا ان الموقف الغربي الداعم للمعارضة السورية نظريا ما زال غير واضح، فهناك عدم استعداد اميركي للحل العسكري وخيار تسليح المعارضة، ليس خيارا جديا، وتحريك هذه الورقة حاليا يشكل نوعا من الورقة التفاوضية للضغط على النظام قبل مؤتمر جنيف، وبالتالي فإن رفع حظر السلاح الأوروبي عن المعارضة قيمته معنوية أكثر مما هي عملية، وحتى الخلافات التي تعصف بالائتلاف فإنها انعكاس للتباينات الحاصلة في المعسكر الدولي ـ الإقليمي المؤيد للمعارضة السورية، ومن غير المستبعد ان تكون مفتعلة من الأميركيين وغيرهم للاتخاذ من تشرذم المعارضة وعدم جهوزيتها ذريعة لعدم التدخل وعدم التسليح وحتى لعدم التعجيل في الحل السياسي.
4 ـ الأهمية المعطاة لمعركة القصير تعود في جزء أساسي منها الى مشاركة حزب الله في هذه المعركة، مشاركة مباشرة فاعلة ومؤثرة ساهمت الى حد كبير في تعديل مسار الأمور على الأرض وشكلت إحدى أبرز مفاجآت الحرب في سورية واستدعت ردود فعل قوية على كل المستويات الدولية والاقليمية واللبنانية لأن حزب الله بانخراطه في القتال في سورية يساهم في تغيير مسار الصراع وقواعد اللعبة ويخترق «خطوطا حمراء»، ولذلك فإن الأنظار تتجه الى حزب الله وما ستؤول اليه تجربته في القصير التي لا تخلو من مخاطرة ومغامرة مادام ان المعركة تنطوي على احتمال ان تتحول الى «حرب استنزاف طويلة» اضافة الى الوقوف على كيفية تعاطي حزب الله وتصرفه بعد انتهاء معركة القصير: هل يعلن انتهاء عملياته العسكرية المباشرة في سورية وتكون لحظة الانسحاب المتاحة على خلفية انتصار القصير؟! ام انه يكمل الى «ما بعد القصير» ويتوغل اكثر في العمق السوري وينغمس اكثر في الحرب ليصبح طرفا ثابتا فيها؟ وبحسب جهات ديبلوماسية أوروبية في بيروت فإن حزب الله بتدخله العسكري في القصير ارتكب خطأ ودخل في مغامرة غير مضمونة النتائج، ولكن انسحابه وخروجه مازال متاحا وممكنا اذا توقف تدخله عند هذا الحد، وتدخله يمكن ان يكون مبررا بالاعتبارات اللبنانية الحدودية والجغرافية والأمنية والديموغرافية، ولكن ذهابه الى أبعد وإلى أكثر من «القصير» سيكون وخيم العواقب.
يرى محللون سياسيون في لبنان انه لم تعد مجدية حال الذهول التي خلفها اعلان حزب الله مشاركته في الحرب في سورية، يجب البدء في البحث عن نتائج هذه المشاركة، في سورية ستبقى الارتدادات محدودة بنتائجها الطائفية، ذاك ان الحزب لا يستطيع ان يتمدد على طول الخريطة، وفي المدن الرئيسية لن يخترق أكثر من حدود مدينة حمص، أما في لبنان فالارتدادات الطائفية والمذهبية بدأت، والشارع يكتظ بمزيد من مشاعر الضغينة، وحزب الله اذ يتولى في بيئته ضخ الدلالات الطائفية لمشاركته في الحرب في القصير يتولى أيضا استدراج الجماعات المذهبية الأخرى للغة طائفية موازية، وإذا كان الوضع في مدينة طرابلس عينة عن نتائج مشاركة الحزب في القصير فإن ما جرى في مدينة صيدا هو نموذج اكثر كثافة وان كان أقل عنفا.
ويرى هؤلاء انه ليس سرا ان لبنان بات يعيش على وقع انخراط حزب الله في الحرب السورية وتداعياته الداخلية، واذا كان دوره مفهوما في ضوء موقعه في «حلف الممانعة» وما يعنيه الجسر السوري لمستقبله، فإن دعوة أمينه العام حسن نصرالله خصومه اللبنانيين الى تحييد بلدهم وملاقاته في الساحة السورية لا يغيب مخاوف بعض الدوائر اللبنانية من اختلال التركيبة الديموغرافية للطوائف والمذاهب وموازينها الدقيقة، في ضوء الأعداد الكبيرة للاجئين السوريين، فضلا عن تبدل المزاج في المخيمات الفلسطينية، ولا يستبعد هؤلاء احتمال انتقال حرب القصير الى الشمال بذريعة الدفاع عن جبل محسن وأهله، ولن تتأخر طرابلس والشمال عموما في استدعاء المدد، ألم تكن حدود الانتداب الفرنسي لسورية قبل قيام لبنان الكبير تشمل طرابلس وحمص وحلب، والموصل التي كانت قبل ذلك أيضا نقطة صراع دائم بين العثمانيين والصفويين؟