Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
«سقوط القصير» ماذا يعني؟! وماذا بعد؟!
7 يونيو 2013
المصدر : بيروت
شهدت الأزمة السورية المتفجرة منذ أكثر من عامين محطات ونقاط تحول عدة. «عسكرة الانتفاضة» كانت واحدة من هذه التحولات وأعلنت الانتقال من مرحلة «الثورة الشعبية» ضد النظام الى مرحلة «المعارضة والمواجهة المسلحة مع جيش النظام». انفجار مبنى جهاز الأمن القومي في دمشق كان واحدا منها أيضا عندما تم اغتيال قيادات الصف الأول على المستويين العسكري والأمني وساد لوهلة أولى انطباع بأن هذا دليل الى وجود اختراق أمني في رأس النظام ومؤشر الى بداية تفكك «البنية الأمنية القيادية» التي هي في أساس وجوده واستمراره. بروز جبهة النصرة وإعلان ارتباطها بـ «القاعدة» كان تحولا أيضا وخصوصا على صعيد الموقف الدولي من الأزمة السورية الذي دخل بعد هذا التطور مرحلة مراجعة وإعادة نظر باتجاه أكثر حذرا تجاه المعارضة وأقل اندفاعا لتسليحها وتعزيز قدراتها النوعية. دخول المعارضة المسلحة الى مدينة حلب والسيطرة على أجزاء واسعة منها كان أيضا نقطة تحول في مجرى الأحداث، إذ فقد النظام سيطرته على «العاصمة الاقتصادية» ما دفعه الى التشبث أكثر بسيطرته على العاصمة السياسية ومنع الوصول الى «معركة دمشق» الفاصلة.
«سقوط القصير» يمكن أن يعد أحد أبرز نقاط التحول في مجرى الأحداث والحرب السورية، و«سقوط القصير» هو الإنجاز العسكري الأبرز الذي يحققه النظام منذ انفجار الأزمة ويرتب النتائج والمتغيرات التالية:
1 ـ سقوط موقع استراتيجي في يد الجيش النظامي: القصير تشكل نقطة وصل وفصل بين المركز والساحل وتقاطع طرق بين دمشق وحمص والساحل السوري، وممر تهريب السلاح من لبنان وخط إمداد السلاح من سورية الى حزب الله، ويختصر ضابط سوري شارك في المعركة أهمية القصير بالقول «ان من يسيطر على القصير يسيطر على وسط البلاد، ومن يسيطر على وسط البلاد يسيطر على سورية كلها».
2 ـ الإمساك بأهم مفصل جغرافي قريب من الحدود اللبنانية في سياق عملية إغلاق الحدود أمام عمليات التهريب والتسلل للسلاح والمقاتلين من لبنان الى قوى المعارضة في سورية. القصير شكلت مركز التحكم بهذه العمليات، ومنها كان يتم التحويل في كل الاتجاهات السورية.
3 ـ تعزيز سيطرة الأسد على المدن والأجزاء الأكثر أهمية من الأراضي السورية. فإذا كانت المعارضة تسيطر على مساحة جغرافية أكبر (نحو 60%)، فإن النظام يسيطر على مساحة جغرافية هي الأهم والأكثر استراتيجية، وسيطرته على القصير تتيح له التقدم باتجاه إحكام سيطرته على حمص واستعادة سيطرته على حلب، إضافة الى فتح خط آمن بين دمشق ومدن الساحل (طرطوس ـ اللاذقية)، وهذا المسار يعني عمليا أن الكفة العسكرية بدأت تميل لمصلحة الأسد.
4 ـ «سقوط القصير» يدخل في صلب الحرب النفسية المعنوية، من جهة يعطي جرعة كبيرة من الثقة للنظام وقواته ويحرضه على استثمار سريع لهذا الانتصار وتحويل قواته في ثلاثة اتجاهات: مدينة حلب، ريف حمص وخصوصا الرستن وتلبيسة، وإقفال ما تبقى من الحدود اللبنانية السورية وتحديدا في المنطقة الممتدة من الزبداني الى الغوطة الشرقية وفي منطقة التواصل مع جرود عرسال.
من جهة ثانية، يساهم في ضعضعة صفوف المعارضة وزيادة أوضاعها سوءا في مواجهة أول خسارة موجعة على الأرض، كما يساهم هذا التطور في رفع نسبة الخيبة والشكوك في أوساط المعارضة في عدة اتجاهات: في اتجاه المجتمع الدولي المتخاذل عن دعمه، وفي اتجاه الائتلاف المعارض الذي عكس أداءه تخبطا وتشرذما وهوة واسعة بين «حرب الفنادق» و«حرب الخنادق»، إضافة الى ما تفجره خسارة القصير من موجة اتهامات داخل فصائل المعارضة تبدأ من «التقصير» وتصل الى «الخيانة»، وما ستؤدي إليه حكما من تغييرات تنظيمية وسياسية وعسكرية في مجمل وضع المعارضة وتركيبتها وأسلوب عملها.
5 ـ «سقوط القصير» كشف عن وجود خلل مستجد ووضع غير متكافئ على الأرض. وهذا ناجم بالدرجة الأولى عن مشاركة حزب لله بشكل مباشر وفعال في القتال الى جانب الجيش السوري غير المعد في الأساس لحرب مدن وشوارع، فيما حزب الله راكم خبرات في هذا المجال على مر سنوات.
في المقابل، فإن المعارضة المسلحة تفتقد الى سلاح نوعي وقوة نارية ودعم خارجي فعال. وفي الواقع فإن الوضع غير المتكافئ أسبابه ليست فقط عسكرية ميدانية وإنما سياسية واستراتيجية. فمقابل ما تظهره روسيا وإيران من دعم ثابت وصلب وموقف «لا يتزحزح»، يظهر الموقف الدولي، لاسيما الأميركي، الداعم للائتلاف المعارض على درجة من الميوعة والتردد والمماطلة وعدم الرغبة بأي شكل من أشكال التدخل العسكري. وهكذا فإن المعارضة تنظر بريبة الى القرار الأوروبي بتأخير تسليم السلاح إليها الى شهر اغسطس المقبل، والى التأجيل الأميركي المتكرر لمؤتمر «جنيف 2» وتعتبر ذلك بمنزلة فترة سماح ومهلة زمنية جديدة معطاة للنظام يستفيد منها لإحداث ما أمكن من تغييرات على الأرض.
6 ـ تزامن «سقوط القصير» مع التحضيرات الجارية لمؤتمر «جنيف 2» والمفاوضات التمهيدية التي انطلقت بين الأميركيين والروس في شأنه. ومن الطبيعي أن تغييرات مهمة على الأرض السورية سترخي بظلالها وتأثيرها على هذا المؤتمر وظروفه ومساره، وأن تحسن وضع النظام واستعادته زمام المبادرة وتحوله من الدفاع الى الهجوم سيعزز موقعه التفاوضي ويضعف من موقع معارضيه الذين لن يكون بإمكانهم الإدلاء بشروط مسبقة ويصبحون أمام خيارين: الدخول في حوار غير متكافئ مع النظام مع سقف طموحات منخفض، أو الاستمرار في حرب غير متكافئة مع النظام مع سقف خيبة مرتفع طالما يتعذر التدخل الخارجي والدعم الفعلي.
ماذا بعد «معركة القصير»؟ وأي اتجاه ستسلكه الأزمة السورية من الآن فصاعدا؟
٭ هل تعطي «صدمة القصير» قوة دفع جديدة للحل السياسي عبر مؤتمر «جنيف 2» وتدفع باتجاه مراجعة الموقف الدولي بعدما أغلقت معركة القصير «صفحة تنحي الأسد» وفتحت «صفحة الحوار مع الأسد»؟
٭ أم تعطي النظام نشوة الانتصار وقوة دفع معنوي لمواصلة مسيرة الحسم العسكري وتقديمه على الحل السياسي؟
٭ أم تعيد طرح مسألة التدخل الخارجي في الأزمة السورية في حال ذهب النظام بعيدا في عملياته العسكرية الى حد إطاحة الحل السياسي ومحاولة تثبيت انتصار يغير في وجه المنطقة ومعادلتها وتوازناتها ويشكل خرقا فاضحا لـ «الخطوط الحمر»؟!