Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
سقوط الحل السياسي واستحالة الحسم العسكري.. وأخطار تقسيم سورية على المنطقة
4 ابريل 2014
المصدر : بيروت
الأزمة السورية التي تحولت من ثورة شعبية إلى صراع مسلح الى خليط من حرب أهلية وفوضى وحرب على الإرهاب، مرت في 3 سنوات بـ 3 مراحل: مرحلة البحث عن حل عسكري مع سعي النظام إلى حسم الصراع عسكريا وسعي المعارضة إلى إسقاط النظام بالقوة.
مرحلة البحث عن حل سياسي مع «جنيف 2» الذي وصل إلى طريق مسدود.
مرحلة البحث عن حلول بديلة ومنها «التقسيم» مع بلوغ الوضع معادلة اللاحل سياسي واللاحسم العسكري.
كان لافتا تحذير العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من مخاطر تقسيم سورية بعد سيطرة قوات النظام على كل من يبرود في القلمون، ومن ثم قلعة الحصن في ريف حمص الغربي، بموقعهما الإستراتيجي في أي مخططات لإنشاء «دويلة علوية» في الساحل وأجزاء من وسط سورية، لأن أي تقسيم لسورية سيخلق مشاكل خطرة للشعب السوري والمنطقة برمتها، مشددا على أن كل سيناريوهات التقسيم كارثية النتائج، لأن التقسيم والتفكك سينتجان كيانات هشة تشكل عبئا أمنيا وبشريا على جيران سورية وقد يغذي ذلك توجهات انفصالية خطرة في المنطقة.
تحذيرات الملك عبدالله الثاني من تقسيم سورية يطرح تساؤلات عن حقيقة ذلك السيناريو الذي طالما تم تداوله في مناسبات عديدة، وتحديدا منذ تحول الانتفاضة السورية السلمية إلى صراع مسلح، وتحول هذا الصراع الى حرب طائفية بعد ذلك، لاسيما بعد مشاركة آلاف المسلحين من عدة تنظيمات من كلا الطرفين ما حرق الأخضر واليابس في سورية، وأثر في العقد الاجتماعي للسوريين والتعايش المشترك بين الطوائف. عودة الحديث عن تقسيم سورية في هذه المرحلة يستند بصورة أساسية إلى اتجاهات تطور الأزمة التي تعيشها سورية، وبناء على معلومات خطيرة وردت من الداخل السوري، أثارت تلك المخاوف مجددا:
٭ بعد 3 سنوات يغلب التشاؤم. التقدم في كسب وريف اللاذقية لن يحسم المعركة، والسيطرة على القلمون وريفي دمشق وحمص لن توصل الى نصر عسكري حاسم. والعلامات الإيجابية القليلة التي بعثت في «جنيف 2» تبخرت بفعل النار الحامية للقتال، و«جنيف 3» لا أمل في انعقاده في ظل تصدع التوافق الدولي في القرم.
٭ نشوء كيانات هشة، ففي مدينة الرقة تقيم داعش إمارتها الإسلامية، وفي منطقة الجزيرة وتحديدا القامشلي والحسكة أعلن عن إقامة إدارة موقتة للأكراد بقيادة pyd الكردي، وفي الجنوب في منطقة حوران مازالت المعارك مستمرة، حيث سيطر الجيش الحر مؤخرا على مناطق ذات أهمية كسجن غرز المركزي وصوامع القمح في ريف درعا، وفي القلمون فرض النظام وحزب الله سيطرتهما على المنطقة، فيما تشتعل المعارك في ريف حماة، وسط سيطرة المعارضة على معبر كسب الحدودي آخر معاقل النظام على الحدود التركية من جهة الساحل في ريف اللاذقية.
٭ ثمة مناطق شاسعة خرجت عن سيطرة النظام، لكنها لم تسقط في يد معارضة منظمة. بعضها يخضع لحكم عصابات وبعضها الآخر لسيطرة جهاديين أو لسيطرة كردية. وفي المقلب الآخر ثمة مناطق خاضعة لمجموعات عسكرية موالية للنظام، ومناطق تحت سيطرة حزب الله، وأخرى خاضعة لسيطرة النظام ذاته. الفتنة الطائفية التي غذتها تيارات دينية متطرفة وتلقفها النظام وغذاها دفعت الأقليات إلى الاحتماء خلفه والارتماء في حضنه بذريعة الخوف من انتقام الأكثرية. أما المعارضة، فخسرت الأقليات ولم تنجح في كسب الأكثرية. عمليات الإبادة والترحيل الجماعي على أساس طائفي جارية على قدم وساق وحدود الدويلات الطائفية ترسم ساعة بساعة.
٭ النشاط العملياتي لنظام الأسد وحلفائه، فقد حشدوا قدرات خاصة ومهدوا لمعركتهم الأخيرة في يبرود تحديدا، في حين كان الاستيلاء على قلعة الحصن خطوة نوعية في مسار إحكام السيطرة على ريف حمص الغربي، والذي عملوا على تحقيقه في الأشهر الأخيرة. وهذا يمكن قراءته بأن النظام وحلفاءه يعملون على مبدأ الاستعداد للانكفاء في دويلة بالساحل وأجزاء من وسط سورية، كاستراتيجية بديلة للاستمرار.
٭ إن فتح معركة كسب والاختراق الجديد لمنطقة الساحل فتحا صفحة جديدة في الصراع. فالنظام وحلفاؤه جيروا معركة القلمون لمصلحة مشروع التقسيم و«دويلة» الساحل الممتدة من دمشق إلى كسب، أما المعارضة فحولت إستراتيجيتها إلى تعطيل هذه الدويلة. وبعدما كان النظام ضمن الحصول على الحدود التي رسمها لهذه الدويلة، وتهيأ لتدعيم انتصاراته، أصبح عليه الآن أن يواجه ما استجد لإبعاد الخطر المتمثل في امتداد القتال إلى الساحل، وإنهاء فترة الهدوء التي شهدها طوال العامين الأخيرين، إذ إن سقوط يبرود والكلام المتزايد عن اكتمال «هلال» الدولة العلوية، من دمشق إلى الاسكندرون، أقلق أنقرة لأنها تخلق خطرا إستراتيجيا لتركيا. اللعب بالنار العلوية ومن ثم الكردية، يعني إحراق تركيا والتمهيد لتقسيمها. لذا المشاركة غير الرسمية ولكن العلنية للمخابرات التركية في معركة «كسب» هي لإبعاد أخطار التقسيم عن تركيا إذا حصل، لأن تقسيم سورية ليس كارثة لسورية فقط، وإنما هو كارثي للمنطقة كلها. إن معركة الساحل قد تكون أول راية حمراء ترفعها تركيا مباشرة تجاه التطورات التي شهدتها المعارك الميدانية بين الطرفين، في إشارة إلى اعتراضها المباشر على مشروع الدولة العلوية ـ الشيعية الممتدة من دمشق إلى حدودها الجنوبية عند لواء اسكندرون. فتصريح وزير الخارجية التركي داود أوغلو وبيان القوات الجوية التركية الأخير بعد إسقاط الطائرة الحربية السورية، يعتبر أوضح اعتراض على ذلك المشروع، فيما يشير إلى أن أنقرة لن تسمح بتحويل تلك الدويلة أمرا واقعا يهدد وحدة أراضيها وسلامتها. هذا التقسيم، إن تم يوما ما، فسيكون أكثر ضررا على تركيا من غيرها من الدول المحيطة بسورية، وذلك بسبب تشكيله خطرا على أمن تركيا القومي عبر فتحه لشهية أقلياتها الدينية والقومية، العلوية والكردية، للحصول على دولها الخاصة.
دراسات كثيرة صدرت حول موضوع التقسيم، ناقشت الأسباب والتداعيات، بالإضافة إلى إمكانية حصول ذلك، وحقيقة من يخدم. وإحدى تلك الدراسات صدرت عن معهد واشنطن للدراسات في عام 2012 توقعت أن يتحقق سيناريو شبيه بالنموذج العراقي، حيث نشأت مناطق خاضعة لسيطرة شبه مستقلة، وفي دراسة بحثية أخرى، تم تداول فكرة تقسيم سورية على أسس طائفية باعتبارها وسيلة لإنقاذ النظام السوري جزئيا، واستعادة السلام وحماية الأقلية العلوية من انتصار محتمل للسنة.
في الواقع، إن موضوع التقسيم من أسوأ السيناريوهات المطروحة، منذ تحول الأزمة السورية إلى صراع مسلح حتى الآن، ويعيد للأذهان مشروع الشرق الأوسط الجديد، لكن بصبغة طائفية وبأدوات محلية مدعومة من أطراف أجنبية. بيد أن الواقع التاريخي والاقتصادي والسياسي والديموغرافي في سورية خاصة والبلاد المجاورة عامة يشير إلى أن مثل هذا الحل من شأنه أن يؤدي إلى كارثة. فالتركيبة العرقية والطائفية للمجتمع السوري وتوزيع السكان في جميع أنحاء البلاد يجعلا تقسيم البلاد أمرا مستحيلا. ومن شأن التقسيم أن يفشل ليس فقط محاولة استعادة السلام ولكنه سيشكل أيضا خطرا على استقرار الدول المجاورة. كما أن تقسيم سورية جغرافيا يبقى رهنا للتدخلات الخارجية، والإرادة الدولية وتحديدا الأطراف المشاركة والمستفيدة من الصراع، وهل التقسيم سيكون الحل الأفضل للأزمة لوقف سفك الدماء وفرض الاستقرار، أم أن سيناريو التقسيم سيولد نتائج كارثية على سورية وجيرانها، خاصة أنها محاطة بدول ذات تركيبة طائفية وعرقية وتشهد اضطرابات وأحداثا. كما انه في منطقة الشرق الأوسط، يصعب اليوم القيام بتغييرات كيانية، خاصة بسبب التداخلات البشرية القائمة، الأمر الذي يعني أن تقسيم بلد ما، أو إدخاله في أتون حرب أهلية، سيجر البنى السكانية في البلد المعني للتفاعل مع امتداداتها في البلدان المجاورة، مما سيفتح الباب أمام إعادة رسم الخريطة السياسية لبلدان المنطقة كلها أو أكثرها على الأقل، الأمر الذي سيضرب ويضر بالإستراتيجيات الإقليمية والدولية وبمصالح كثير من الدول ذات العلاقة وبينها الدول الغربية. إضافة الى أن الاقتصاد سيكون مقتل دويلات كهذه، وأنها ستكون، بالفعل، كما وصفها العاهل الأردني، كيانات «هشة»، سيتطلب بقاؤها استمرارا لـ «المدد» من الحلفاء، دون أن يهنأ ساكنوها بأي آمال لتحقيق تنمية اقتصادية ـ اجتماعية تليق بما تملكه سورية «كاملة» من ثروات وإمكانات. صحيح ان المعطيات السورية العامة، والظروف الإقليمية والدولية، تشير إلى صعوبة فكرة تقسيم سورية، لاسيما في المرحلة الراهنة، غير أنه لا يمكن الركون إلى ما سبق، واعتباره يرسم مصيرا نهائيا يمنع تقسيم سورية، ذلك أنه في حال حدوث تغييرات كبيرة في سورية والمنطقة مثل تعميم العنف وتوسيعه، وزيادة حدة التدخلات الإقليمية والدولية في الشؤون السورية، وتضارب المصالح بين الدول لاسيما المؤثرة في الأزمة السورية، يمكن أن يجعل التقسيم أمرا ممكنا، كما حدث في البلقان، حيث أعيد رسم حدود كياناته السياسية والسكانية على أسس جديدة. أو على الأقل كما حدث في العراق تحت مظلة «فيدرالية» (في العراق 3 أقاليم رئيسية هي الجنوب الشيعي والوسط السني والشمال الكردي، وفي سورية 4 أقاليم للسنة والعلويين والأكراد والدروز). والمعادلة حتى الآن هي أنه ممنوع إحداث تغيير في حدود الدول ولكن مسموح التغيير داخل هذه الحدود.