شهدت سورية في فترة الشهرين الماضيين تطورات مشجعة أوحت أن الأزمة في طور الانتقال من المسار العسكري الى المسار السياسي، وأن ظروف الحل السياسي قد نضجت بعد قيام تفاهمات أميركية ـ روسية بقيادة الوزيرين جون كيري وسيرغي لافروف متكئة على أول قرار دولي يصدر في شأن سورية (قرار مجلس الأمن رقم 2254).
انطلقت مفاوضات «جنيف 3»، وأعلنت هدنة شاملة تحت عنوان وقف العمليات العسكرية وجرى تطبيق هذه الهدنة على نطاق واسع ومعقول وصمدت لأسابيع، ما أتاح إدخال مساعدات إنسانية الى بعض المحاضرين من جهة وتعزيز فرص العملية السياسية من جهة ثانية. ولكن هذا المنحى «الإيجابي» توقف وحل محله منحى معاكس ومقلق: المفاوضات في جنيف انهارت والوفد المعارض علق مشاركته.
الهدنة انهارت أيضا بطريقة دراماتيكية في حلب وريفها. تركيا رفعت حجم ومستوى دعمها لفصائل المعارضة. إيران دفعت بتعزيزات الى الميدان السوري وتقدمت في اتجاه «المشاركة العسكرية القتالية» المباشرة عبر قواتها الخاصة.
أميركا شككت في نوايا فلاديمير بوتين وما إذا كان يستخدم المفاوضات لإخفاء دعم عسكري جديد للنظام السوري، وروسيا ارتابت أيضا من باراك أوباما والتفاهم الجانبي الذي أبرمه مع رجب طيب أردوغان.
فماذا حصل كي يحدث هذا التحول في الأجواء ويتم «استئناف الحرب» في سورية؟! لم يمر إقرار الهدنة من دون تباينات ظهرت داخل المعسكر الحليف للنظام السوري.
فلم يكن الإيرانيون، ومعهم القيادة السورية وحزب الله، راضين عن هذا الوقف المفاجئ للعمليات العسكرية وفي عز تقدمها واقترابها من تحقيق الأهداف الأساسية التي حددت لها وهي تطويق حلب لتصبح بحكم الساقطة عسكريا، واستعادة أرياف حلب، وعزل المناطق الحدودية عن تركيا وقطع طرق الإمداد والتواصل. ولكن الروس تقدمت لديهم الحسابات السياسية على «العسكرية».
فقد أعطوا أولوية للعملية السياسية في جنيف، معتبرين ان تدخلهم العسكري حقق ما يكفي على الأرض من أوضاع داعمة لرؤيتهم وخطتهم للحل السياسي، وأنهم نجحوا في استقدام الأميركيين الى «سقفهم السياسي»، ولا بأس ان سايروهم في مطلبهم الداعي الى تهدئة اللعبة مع تركيا وعدم الوصول معها الى تصادم.
وهذا ما فرض عليهم تحويل مسرح العمليات من حلب الى تدمر حيث القتال ضد «داعش» لا يعد انتهاكا للهدنة ومتفق عليه مع الأميركيين. لم يشكل سقوط تدمر تطورا استراتيجيا وإنما كانت له قيمة رمزية ومعنوية.
أراد الجيش السوري مع حلفائه تثمير معركة تدمر ومواصلة الهجوم في اتجاه دير الزور القريبة من الحدود العراقية، ولكن الروس لم يجاروا هذا التوجه انسجاما مع توجه أميركي غير راغب في فتح ملف الحدود السورية العراقية في هذه المرحلة، وفي إعطاء النظام السوري مكاسب إضافية.
في هذا الوقت كانت تحصل تطورات معاكسة للتوقعات الروسية: من جهة استفادت المعارضة المدعومة من تركيا من الهدنة لإعادة تنظيم صفوفها والحصول على أسلحة نوعية وشن هجوم مضاد لاستعادة ما فقدته بعد التدخل الروسي. ومن جهة ثانية، كانت واشنطن تفتح خطا جانبيا مع أنقرة وتتفق معها على الحد من دور الأكراد العسكري وعلى منعهم من ربط منطقتهم الحدودية مقابل أن تتولى تركيا دورا أفعل في محاربة «داعش» عبر فصائل إسلامية وتركمانية موالية لها. وبدا واضحا ان أميركا تشجع على إقامة توازن جديد على الأرض يكبح جماح الأسد ويحد من الشروط الروسية في التسوية، وأن أوباما يريد قبل مغادرته البيت الأبيض أن يجمد الوضع في سورية على قاعدة مقبولة، أكثر مراعاة لمصالح واشنطن وحلفائها وأقل خضوعا للشروط الروسية، بعدما تأكد له أن التوصل الى حل سياسي في الفترة المتبقية من رئاسته لم يعد ممكنا.
إذاً، حصل تغيير ما من جانب الأميركيين لحسابات وأسباب مرتبطة بالوضع الأميركي الداخلي والانتخابات الرئاسية، ما أدى الى التزام غير كامل بالتفاهمات المبرمة مع الروس الذين يدرسون كيفية التعامل مع الوضع المستجد ويتشاورون مع الإيرانيين الذين أوفدوا وفدا عسكريا الى موسكو برئاسة وزير الدفاع. وطلائع التوجه الروسي بدأت تظهر في التشدد في موضوع المفاوضات، وعلى الأرض من خلال العودة الى التفكير بالخيارات العسكرية، حيث ان موسكو قادرة بسهولة على تفعيل دورها العسكري. فقد كان انسحابها إعلاميا وتكتيكيا ولم يكن استراتيجيا ونهائيا. وهذا ما بدا واضحا من خلال التطورات الميدانية خاصة في حلب التي باتت تشهد قصفا وغازات غير مسبوقة أوقعت أكثر من 100 قتيل خلال أسبوع واحد.
خلاصة هذه التطورات ان الوضع في سورية عاد مجددا الى أتون الحرب، وانهيار الهدنة بات واقعا على الأرض، والعمليات العسكرية ستكون أكثر عنفا وشراسة من السابق وستكون حلب «أم المعارك».
وسورية مقبلة على صيف حار وساخن جدا بعد هدنة ربيعية لم تعمر طويلا.