Note: English translation is not 100% accurate
تثبيت التسوية.. أو استمرار حرب الاستنزاف!
الثنائي الأميركي ـ الروسي يصطدم بتحفظ أوروبي وعوائق إقليمية.. وسورية أمام شهرين حاسمين
13 مايو 2016
المصدر : الأنباء
يشهد الوضع العسكري في سورية هذه الأيام تطورات عسكرية على درجة من الأهمية والخطورة، في وقت تعاني العملية السياسية من تعثر ومراوحة وتواجه خطر الانهيار. والمسرح الأبرز لهذه الأحداث كان في ريف حلب وتحديدا في بلدة «خان طومان» الاستراتيجية التي هاجمتها تنظيمات إسلامية معارضة، تحت راية «جيش الفتح»، في سياق الهجوم المضاد الذي باشرته هذه التنظيمات منذ أسابيع لاستعادة ما كانت خسرته في ريف حلب بعد التدخل الروسي، ولإقامة توازن جديد على الأرض يعدل في ظروف المفاوضات وشروط التسوية.
الهجوم على «خان طومان» أدى الى سقوط عدد كبير من الإيرانيين الذين تصفهم إيران بأنهم «مستشارون عسكريون» وتقول عنهم المعارضة انهم «مقاتلون في صفوف الحرس الثوري الإيراني»، وكانت هذه أكبر خسارة تلحق بالإيرانيين في معركة واحدة، الأمر الذي ترتبت عليه تداعيات داخل إيران حيث جرت عملية مراجعة للأسباب التي أدت الى هذه الخسارة وساد جدل داخلي بشأن طبيعة ووظيفة الوجود العسكري الإيراني في سورية وفي حلب تحديدا. وإذ قررت إيران دعم هجوم مضاد لاستعادة «خان طومان»، ليس فقط لموقعها الاستراتيجي وإنما أيضا لاستعادة جثامين القتلى وتحرير الأسرى، فإن هذه المعركة تكاد أن تشكل نقطة تحول في موقف إيران التي تعيد دراسة الوضع من كل جوانبه في ضوء ما حدث، وحيث أن الموقف الإيراني «الاتهامي» يتوزع في عدة اتجاهات، منها:
٭ في اتجاه الأميركيين المتهمين بالتشجيع على انتهاك الهدنة وضخ مساعدات جديدة للمعارضة، وبتدبير الهجوم على ريف حلب بعدما كانوا توافقوا مع الروس على الهدنة ووقف العمليات العسكرية.
٭ في اتجاه روسيا ولكن ليس من باب الاتهام وإنما من باب الانتقاد لانسحابها «الجزئي» وطغيان التفكير السياسي عندها على التفكير العسكري. فقد أيقظت معركة «خان طومان» الهواجس والانتقادات الإيرانية بشأن التكتيك الروسي الذي أدى الى هذا الاهتزاز والخلل على الأرض والى تعريض الإنجازات والمكاسب لخطر التبدد والضياع، فالجيش السوري دفع الثمن قبل غيره، بعد الانسحاب الجزئي الروسي المفاجئ في فبراير الماضي، والمجاني، في لحظة اقتراب الجيش السوري وحلفائه من قلب موازين القوى في سورية، وفي قلبها حلب. والأهم أن القرار الروسي بالذهاب إلى الهدنة من دون ضمانات حقيقية تحصن الهدنة، كإغلاق الحدود مع تركيا، ومن دون «خطة ب» للعودة بسرعة إلى الميدان، حال دون الحصول على أي تنازلات في «جنيف 3» من الولايات المتحدة والمعارضة، بل ان التفاوض من دون الضغط العسكري لدعم العملية السياسية أدى في النهاية إلى تآكل جزء كبير من مفاعيل العملية الروسية. وتبين فيما بعد أن الخطأ التكتيكي الروسي قد أضاع على دمشق وحلفاءها فرصة حقيقية لإخراج الأتراك من الشمال السوري، وضرب العمود الفقري للمجموعات التي تدعمها، وفتح الطريق أمام تسوية محتملة للحرب المستمرة منذ خمسة أعوام.
يبدو أن هناك انزعاجا إيرانيا من تفرد موسكو في تقرير خطواتها العسكرية في سورية وحصر التنسيق مع واشنطن بشأن التسوية ومستقبل سورية، وهذا الانزعاج نجد مثله عند الأوروبيين المتضايقين من «الثنائية الأميركية - السورية» المتحكمة بالأزمة السورية، وأيضا من الميوعة الأميركية مع روسيا.
وتقول مصادر ديبلوماسية أوروبية في هذا المجال إن مجموعة الدول الداعمة للمعارضة السورية تريد إسماع صوتها ورؤيتها وتأكيد حضورها ودورها في الملف السوري ولا تريد تسليم إدارة هذا الملف الى الثنائي كيري ـ لافروف بسبب تخوفها من عدم انخراط أميركي كاف في مآل هذه الأزمة و«غياب الحزم» في التعاطي مع الطرف الروسي وما تريده هذه المجموعة (حسب هذه المصادر):
٭ الوقوف الى جانب المعارضة السورية وشد أزرها وتوفير الشروط والأسباب التي تجعلها تعود الى طاولة المحادثات في جنيف.
٭ وقف عمليات القصف وإخراج الطيران من سماء المعركة وإيصال المساعدات الإنسانية، حيث من الصعب العودة الى طاولة المفاوضات من دون حصول تقدم ميداني.
٭ الالتزام بالوصول الى حل وفق بيان «جنيف واحد» والقرار 2254، والبت في موضوع إنشاء المجلس الانتقالي للسلطة من أجل بناء سورية الموحدة من غير الأسد، وحيث أن رؤية المجموعة للحل السياسي هي وفق قرار مجلس الأمن 2254 الذي ينص على مرحلة انتقالية من أجل تجنب تكرار حالة العراق وربطها بتقاسم للسلطات بما في ذلك القوات المسلحة وأجهزة المخابرات وكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات، ثم بالطبع رحيل الأسد عن السلطة، مما يعني القبول ببقائه وفق شروط محددة أثناء المرحلة الانتقالية، وهو ما ترفضه المعارضة.
نظرة هذه المجموعة هي أن العقدة تتمركز في «مصير بشار الأسد»، وأن معضلة الأسد ترتبط بالنظرة الأميركية إلى طبيعة الصراع الدائر في سورية، وهو صراع مذهبي وإقليمي يتجاوز شخص الأسد، ورحيله لن يحل المشكلة في سورية. وإذا أضيفت للقناعة الأميركية تلك حقيقة فان تواجد روسيا وإيران المباشر يحول دون إسقاط الأسد بالقوة، فذلك يعني أن المسألة بحاجة إلى توازن دولي وإقليمي آخر ليكفل نهاية الحرب في سورية. توازن يرفع كلفة الوجود الروسي ويحد من تدخلات إيران ويضمن إرادة أميركية ترضى بالبديل عن نظام الأسد، وبالتالي فإن الستاتيكو ينتظر إدارة أميركية جديدة لتعيد تركيب عناصره الأولية.
الوضع في سورية يقف حاليا أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يوضع الحل السياسي على سكة جنيف في خلال شهرين، وإما أن تعود حرب الاستنزاف وبصورة أشد وقعا وعنفا. الروس والأميركيون يراهنون على تعويم الهدنة رغم انهيارها وحريصون على الوصول إلى تفاهم قبل اغسطس المقبل، لأنه سيكون شهرا مفصليا في تاريخ الأزمة السورية، حيث يمثل شهر اغسطس هاجسا كبيرا لموسكو، بإخراجه الإدارة الأميركية من حيز السياسة الخارجية، ودخول أميركا مرحلة الانتخابات الرئاسية، واستنكاف الرئيس الأميركي عن اتخاذ المزيد من القرارات التي تلزم في الأشهر الأخيرة الإدارة المقبلة، وموسكو تسابق الوقت للتوصل إلى الآليات لتنفيذ التفاهمات مع الأميركيين قبل رحيل الإدارة الحالية، وهو أمر صعب ومعقد. ويقول مسؤول روسي ان «العناوين العريضة للتفاهمات مع الأميركيين حول سورية قد وضعت، وأن الرئيس فلاديمير بوتين لن يخاطر بتأجيلها حتى رحيل إدارة أوباما، لأننا لا نثق بالإدارة المقبلة، كما أننا نسابق الوقت لعقد صفقة في ملفات أخرى ضاغطة وإقليمية وعالمية». ويذهب الرهان الروسي على صلابة التفاهم إلى القول أنه أعاد خلط الأوراق كليا في المنطقة إلى حد انقلاب المشهد الإقليمي، وأن هناك اليوم خلافا كبيرا بيننا نحن الروس والأميركيين من جهة والدول الإقليمية من جهة أخرى، كإيران وتركيا والسعودية، لأن هذه الدول لا تريد التسليم بالوقائع الجديدة التي خلقها الانخراط الروسي في سورية، والتفاهم مع الأميركيين.