بيروت: منذ اللحظة الأولى للتوقيع على الاتفاق الأميركي الروسي، برزت شكوك في إمكان تنفيذ هذا الاتفاق وما تضمنه من تفاهمات ميدانية معقدة، السير فيها مشروط بما يحصل ميدانيا وباحترام هدنة جدية، وبمدى التزام واشنطن وموسكو بما توصلا إليه وخصوصا بمدى قدرة الأولى على متابعة الملف السوري واتخاذ القرارات في مرحلة انتخابية متقدمة تضمن معها السياسة الخارجية ولا تكبل أيدي الإدارة القادمة.
استخدم بوتين أوراقه بما فيها القوة العسكرية بتبعاتها السياسية والقانونية و«الأخلاقية» للضغط على إدارة أوباما ودفعها لإنجاز اتفاق ثنائي.
وكان له ما أراد مستفيدا من ضعف سياسة أوباما الذي سلمه مفتاح الحل في سورية ووافق على التفاوض الثنائي وإبعاد حلفائه عن جوهر المفاوضات التي بقيت طي الكتمان.
أدركت موسكو أنها في سباق مع الوقت، وأن النافذة تضيق لإنجاز حل قبل نهاية ولاية أوباما الذي وإن كان يسعى بجد لإنجاز حل للأزمة السورية إلا أنه لن يفوت على نفسه فرصة انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب، وهو يحتاج هذه المكاسب لتمرير الاتفاق في واشنطن.. وبالمقابل تصر موسكو على استمرار المفاوضات وعدم الاعتراف بفشلها وعلى استمرار الاتفاق وعدم الاعتراف بانهياره رغم السقف الأميركي المرتفع، ولكن هذا لا يعني أن موسكو تستعد للتنازل.
وراهنت موسكو على الاتفاق ورأت فيه إنجازا يبنى عليه، وأن الحل وضع على السكة وسيقطع شوطا كبيرا قبل مغادرة أوباما البيت الأبيض، ولكن حدثت خروقات واسعة وخطيرة في الهدنة: غارة أميركية في دير الزور ضد موقع للجيش السوري أوقع عشرات القتلى واتهمت بها الولايات المتحدة، انهيار الوضع العسكري في حلب التي طبقت فيها تحت غطاء روسي عسكري و«سياسي» سياسة الأرض المحروقة.. نشبت أزمة ثقة وكل طرف شعر بأن الآخر خدعه، تزعزعت ثقة بوتين بأوباما بعد غارة دير الزور وبعد الإلحاح الأميركي بتحييد حلب ورفض عملية الفرز بين المعتدلين والإرهابيين في المعارضة.. وأصبح وضع أوباما بعد انطلاق معركة الحسم في حلب محرجا أمام حلفائه وأمام المعارضين في الداخل الأميركي لفكرة التعاون مع روسيا، وصار واقعا تحت ضغوط قوية قبل الانتخابات.
أوباما الذي مارس سياسة إحجام وانكفاء في سورية والى حد ما سياسة تلزيم سورية لروسيا، يتحرك الآن غاضبا وملوحا بخيارات وبدائل لوضع حد للاستفزازات الروسية، ومن هذه البدائل السماح للدول الداعمة للمعارضة بتقديم أسلحة وأنظمة عسكرية متطورة وتنفيذ ضربات جوية ضد قواعد جوية للجيش السوري وفرض حظر طيران جزئي فوق حلب، إضافة الى سلسلة عقوبات سياسية واقتصادية وديبلوماسية، منها وقف التفاوض والتعاون مع روسيا وطرد سورية من الأمم المتحدة.. إلخ.
التصعيد الأميركي هذه المرة طال موسكو مباشرة ولم يقتصر على دمشق، وأكثر ما أزعج الروس وأغضبهم لهجة التهديد الصادرة عن الأميركيين، وكان أوضحها ما قاله المتحدث باسم الخارجية من أن وقف تعاون بلاده مع روسيا سيوسع عمليات الجماعات الإرهابية ضدها، مشيرا الى احتمال وقوع هجمات تطول المصالح والمدن الروسية، وستستمر روسيا في إرسال جثث جنودها من سورية، وستخسر مواردها وطائراتها.
هذه اللهجة الأميركية استفزت روسيا كثيرا، معتبرة أن الإدارة الأميركية أصيبت بانهيار عصبي وانحدرت الى سياسة وضيعة تمثل دعوة موجهة للإرهابيين لمهاجمة روسيا.
بوتين يصاب الآن بنكسة لأنه لم يتمكن من فرض حل في سورية قبل رحيل أوباما.
ومع أنه يتمتع بقدرات سياسية مكنته من تركيز علاقته مع إيران والانفتاح على تركيا، وأن يكون «بطل التقاطعات»، إلا أنه يدرك أن خططه في احتواء الأزمة السورية لم تنجح وقد لا يكون قادرا على حماية ما أنجزه حتى الآن بسبب التردد الأميركي والعجز الأوروبي، وأنه مع مجيء هيلاري كلينتون الى البيت الأبيض لن تكون مهمته سهلة، وعندها يمكن أن ينتقل من راع للحل الى جزء من الأزمة في سورية، وأن ينزلق في المستنقع السوري، وأن يتفاقم سوء الوضع الاقتصادي في روسيا بسبب تكاليف الحرب السورية والعقوبات الدولية.