غيرت المعارك التي تشهدها مدينة حلب منذ اكثر من اربع سنوات معالم المدينة الاثرية القديمة المدرجة على لائحة التراث العالمي للإنسانية، والمعروفة بقلعتها التاريخية وبواباتها القديمة وأسواقها وخاناتها التي كانت وجهة رئيسية للسياح من كل انحاء العالم.
وبعدما كانت المدينة الشاهدة على حقبات تاريخية عدة تضج بالحيوية وبروادها قبل اندلاع الحرب، لم يبق فيها اليوم الا القطط المشردة والمتاريس الرملية والحافلات المحترقة والركام الشاهد على عنف المعارك.
في ساحة الحطب الواقعة في حي الجديدة الاثري الشهير، لم يصدق المحامي والباحث في تاريخ حلب علاء السيد ما يراه بعدما اختفت معالم الساحة والفنادق التراثية المحيطة بها.
ويقول السيد لوكالة فرانس برس بعد جولة في المدينة القديمة اثر سيطرة النظام عليها في الايام الاخيرة «لم اتمكن من التعرف عليها لشدة الدمار اللاحق بها وقلت انه لا يمكن ان تكون هذه ساحة الحطب».
ولم يبق من الساحة التي كانت مكانا مزدحما يعج بالحركة الا اكوام من الحجارة والخردة تسلل العشب بينها.
ومنذ العام 2012، تاريخ انقسام المدينة بين احياء غربية يسيطر عليها النظام وأحياء شرقية تحت سيطرة الفصائل المعارضة، شكلت المدينة القديمة في حلب خط تماس بين الطرفين.
وطال الدمار مواقع تعود الى سبعة آلاف عام، بينها الجامع الاموي الذي تدمرت مئذنته العائدة الى القرن الحادي عشر كما تضررت جدرانه وتجمع الركام في ساحته.
كما لحقت اضرار كبيرة بقلعة حلب الصليبية التي استعادتها قوات النظام من المعارضة بعد قصف عنيف.
ولم تسلم أسواق المدينة الاثرية التجارية التي تعود الى نحو اربعة آلاف عام وتضم اكثر من اربعة آلاف محل و40 خانا من الضرر والاحتراق.
وفي العام 2013، ادرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو) الاسواق القديمة التي تعرضت للحرق والدمار على قائمة المواقع العالمية المعرضة للخطر.
ويصف السيد ما لحق من دمار وخراب بالأسواق التي كانت تعد «قلب حلب الاقتصادي» بأنه «غير مبرر»، مضيفا «انه تراث انساني لا يعوض».
في حي الفرقان، يبيع ابو احمد (50 عاما) حاليا القهوة والسحلب في احد الاكشاك بعدما كان يملك وأشقاؤه مصنعا للقماش في حي الكلاسة ومحالا عدة في السوق القديمة.
ويقول الرجل بصوت متقطع وعيون دامعة «لقد بعت مصاغ زوجتي لأتمكن من شراء هذا الكشك».
ويأمل ان يعود الى عمله السابق، مؤكدا استعداده لبيع سيارته كي يتمكن من اعادة ترميم محله.
ويضيف «انا صاحب صنعة ولا اريد ان اتخلى عنها، اريد ان أورثها لابني».
وانسحبت الاضرار كذلك على المنطقة المحيطة بقلعة حلب الاثرية، حيث مسحت «بالكامل» مواقع اثرية كجامع السلطانية والسراي الحكومي.
كما تهدم فندق الكارلتون بالكامل اثر تفجير الفصائل المعارضة في مايو 2014 نفقا اسفل الفندق الذي كان الجيش يتخذه مقرا.
مدينة أشباح
في حي اقيول المجاور، تمتد الابنية المهدمة ذات الواجهات المتصدعة على طرفي الشارع الرئيسي الذي يصل ساحة الحي بساحة باب الحديد.
وشاهدت مراسلة فرانس برس ابنية من دون نوافذ، فيما حلت شوادر من القماش الازرق الممزق مكان الابواب.
وتنتشر أكوام من حجارة الابنية المهدمة على الارصفة، بالإضافة الى أثاث المنازل المبعثر والأدوات المنزلية والمكيفات والغسالات الصدئة.
وتبدو هذه الاحياء وكأنها مدينة اشباح خالية من الحركة باستثناء قطط نحيلة متسخة تجوب المكان بحثا عما تأكله.
وتقترب احداها من جثة شبه متحللة على رصيف احد الشوارع في حي البياضة.
ولم تسلم مقبرة الحي الواقعة على تلة صغيرة من اعمال العنف، اذ تحطمت بعض الشواهد وسقط بعضها الآخر فيما يبس العشب المزروع بين المقابر.
وفي ساحة باب الحديد المطلة على الباب الاثري الذي يعود تاريخ بنائه الى العام 1509، بحسب لوحة حجرية علقت عند مدخله، تم تكديس باصات محروقة ومثقوبة بفعل الرصاص فوق بعضها، ما يوحي بأنها استخدمت متاريس احتمى خلفها المدنيون من القناصة.
بالقرب من الساحة، لاتزال واجهات محال تجارية عدة مطلية بألوان العلم السوري القديم ذي النجوم الحمراء الثلاث الذي اعادت المعارضة اعتماده منذ انطلاق انتفاضتها.
وعلى الجدران، ترك المقاتلون شعاراتهم خلفهم.
وورد في احدها «من حوران الى حلب، الثورة مستمرة».