- الآلاف ينتظرون الخروج في البرد والجوع..
مرة بعد اخرى، يدس الشيطان أنفه في تفاصيل الاتفاقات على تهجير من تبقى من سكان حلب ليطيل معاناتهم ويزيد من آلامهم في ظروف جوية شديدة البرودة، وأجواء سياسية شديدة التعقيد والتشابك.
وكاد الاتفاق الأخير ان يلقى مصير سابقيه، قبل ان يتم احتواء التطورات الجديدة.
وأفادت وسائل اعلام النظام السوري بمغادرة عدد من الحافلات لشرق حلب أمس، وهي تقل مدنيين وعددا من مقاتلي المعارضة واسرهم.
وأكد التلفزيون السوري الرسمي أن الاتفاق «الروسي ـ التركي ـ الايراني» لإجلاء المدنيين من شرق حلب مقابل إجلاء أشخاص من قريتي الفوعة وكفريا اللتين تحاصرهما المعارضة، قد دخل حيز التنفيذ.
وكانت النسخة الجديد من الاتفاق أمس في مهب الإلغاء، بعدما تسرب عن اشتراط النظام السوري وحلفائه الايرانيين إخراج حوالي 1200 من بلدتي كفريا والفوعة اللتاين تحاصرهما المعارضة مقابل اخراج نصف من تبقى من سكان شرق حلب كدفعة اولى، وإخراج نفس العدد من القريتين مقابل إخراج الدفعة الأخيرة من المحاصرين في حلب.
غير ان ناشطين حقوقيين قالوا ان ايران أدخلت شروطا جديدة قبل انجاز عملية تهجير من تبقى من سكان حلب، وتقضي بتنفيذ «ترانسفير مذهبي» بين مضايا في ريف دمشق و بلدتي كفريا والفوعة المواليتين للنظام في ريف ادلب، بحسب الناشط الحقوقي نبيل حلبي رئيس مؤسسة لايف الحقوقية اللبنانية.
حيث أفادت مصادر بأنه تم ابلاغ سكان بلدة مضايا المحاصرة من قبل قوات النظام بتحضير قائمة من 1500 شخص من المسلحين والمصابين لإجلائهم في اطار هذه الصفقة.
واضاف حلبي على صفحته على «فيسبوك» ان ذلك دفع بعناصر من جيش الفتح إلى إحراق عدد من الباصات التي كانت تنتظر السماح لها بدخول بلدتي كفريا والفوعة.
من جهته، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان انه جرى الاعتداء على عدد من الحافلات الداخلة إلى بلدتي كفريا والفوعة، حيث تم إضرام النيران في 6 من الحافلات وإحراقها، قبيل دخولها.
وأكد المرصد ان عناصر موالية لعناصر فتح الشام هي من قامت بالهجوم.
وأشار المرصد الى خلافات بين حركة أحرار الشام وجبهة فتح الشام «جبهة النصرة سابقا» بشأن عملية الإجلاء.
وكانت هذه الحافلات تنتظر اشارة للدخول الى بلدتي الفوعة وكفريا ذات الغالبية الشيعية، والمحاصرتين من الفصائل المقاتلة في محافظة ادلب بموجب الاتفاق الثلاثي.
ورصد مراسل لـ «فرانس برس» على اطراف البلدتين نحو 20 مسلحا وهم يهاجمون 5 حافلات على الأقل قبل دخولها الى البلدتين لإجلاء السكان.
وقال انهم عملوا على انزال السائقين قبل اقدامهم على اطلاق النار على الحافلات وخزانات الوقود ما ادى الى احتراقها بالكامل.
ووقع الاعتداء بعد دخول 5 حافلات اخرى الى البلدتين.
واكد مصدر عسكري سوري لـ «فرانس برس» ان «ثمة ارادة جماعية بأن يسري الاتفاق لكن ثمة معوقات ينبغي العمل على تذليلها».
وقبل ذلك، كانت عشرات الحافلات قد دخلت الى اخر جيب تحت سيطرة الفصائل المعارضة في مدينة حلب تمهيدا لاستئناف عمليات إجلاء الآلاف من المدنيين والمقاتلين المحاصرين الذين ينتظرون منذ الجمعة وسط البرد والجوع.
ولضمان خروج آمن للمحاصرين من حلب، تلقى مجلس الأمن الدولي أمس مشروع قرار قدمته فرنسا يقترح إرسال مراقبين دوليين للإشراف على عمليات الإجلاء، رغم معارضة روسيا ابرز حلفاء دمشق، والتي تمتلك حق النقض (فيتو).
وأكد مصدر عسكري سوري لوكالة فرانس برس «استئناف الاتفاق وادخال حافلات الى شرق حلب بشكل متواز مع دخول حافلات الى كفريا والفوعة»، لافتا الى ان 100 حافلة ستدخل تباعا الى حلب.
وقال مصدر قيادي من «جيش الفتح»، ائتلاف فصائل يسيطر على ادلب ويضم جبهة فتح الشام للصحافيين سابقا، ان «1250 شخصا سيخرجون من بلدة الفوعة مقابل نصف عدد السكان المحاصرين في حلب في مرحلة اولى».
وأضاف المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه، انه «في المرحلة الثانية سيخرج 1250 شخصا اخرين من كفريا مقابل النصف الآخر المتبقي من المحاصرين في حلب».
وفي المرحلة الثالثة يخرج «1500 شخص من الفوعة وكفريا مقابل 1500 اخرين من مدينتي الزبداني ومضايا».
ويأتي استئناف عمليات الإجلاء من حلب في وقت تتفاقم فيه معاناة المحاصرين الذين يعيشون أوضاعا مأساوية في ظل ظروف مناخية قاسية.
وأفاد تقرير لـ «فرانس برس» أمس بأن الآلاف من الأشخاص احتشدوا في حي العامرية، النقطة التي تنطلق منها الحافلات تمهيدا للخروج على متنها، بعدما كانوا قد انتظروا لساعات طويلة خلال الأيام الماضية وسط البرد والجوع من دون جدوى.
وتحدث عن وضع مأساوي داخل احد المستشفيات الميدانية، حيث شاهد الجرحى والمرضى ينامون على فرش على الارض ولا يملكون الا البطانيات للتدفئة بغياب الطعام والمياه.
وقال ان معظم الجرحى مصابون في اطرافهم ولا يقوون على التحرك كما ان عددا منهم من دون مرافقين.
وقال المعالج الفيزيائي محمود زعزع الموجود داخل المشفى لـ «فرانس برس» عبر الانترنت: «لم يبق الا طبيب جراح في المسالك البولية وطبيب امراض داخلية وقلب وطبيب عام بالإضافة الى صيدلاني واحد واربعة ممرضين».
وأوضح انه «قبل يومين توفي مريض لان الجراح لم يكن موجودا، واجرى العمل الجراحي ممرض عمليات وطبيب عام وانا ساعدت في التخدير والتمريض، واحتجنا اثر ذلك لنقله الى الريف من دون ان نتمكن من ذلك، ما أدى الى وفاته».