بيروت: إثر السيطرة على حلب، يرجح أن يسعى جيش النظام الى التوسع الى شرق المدينة، فحدود الثوار على بعد مئات الأمتار فحسب من الأحياء الموالية المجاورة. والنظام أنشأ خطوط دفاع قوية حول حلب، لكنه غير محصن ضد حملة قد يشنها مقاتلو «جبهة فتح الشام»، وهي فرع «القاعدة» السوري.
وإدلب هي معقل هذا التنظيم الذي كسر مؤقتا الحصار في اغسطس المنصرم على حلب، ثم هدد المناطق الموالية هناك في اكتوبر المنصرم. لذا، يبدو أن التقدم نحو إدلب يتصدر أولويات القوات النظامية. فهذه المحافظة هي موئل أكبر تجمع من الثوار، ويرى «معهد دراسات الحرب» أن أكثر من ٥٠ ألف مقاتل يتجمعون فيها تحت لواء جيش الفتح. وتقدم القوات النظامية نحو الشرق يساهم في حماية حماة من قوات الثوار المرابطة على بعد عشرات الكيلو مترات فحسب الى شمال المدينة. وقد تسعى قوات النظام في المناطق الساحلية الى استعادة مدينة جسر الشغور، التي خسرتها وإدلب في ربيع ٢٠١٥. وجسر الشغور هي مركز حيوي لحماية معقل النظام العلوي والقواعد العسكرية الروسية على الساحل.
ويرجح أن تتمسك إيران والميليشيات الشيعية التابعة لها بأولوية فك الحصار عن الفوعة وكفريا المحاصرتين منذ مارس ٢٠١٥. فالدفاع عن المناطق الشيعية في شمال سورية هو ذريعة حزب الله لإقناع مؤيديه في لبنان بأن مشاركته في الحرب مسوغة. وهو يتذرع كذلك بالحصار المفروض على المدينتين هاتين، للرد على الشجب الدولي لحصاره الزبداني ومضايا على مقربة من دمشق. ويبدو أن حزب الله أبرم اتفاقا مع الثوار: إذا نزل أذى بالبلدتين الشيعيتين، فسيقتص من البلدتين السنيتين المحاصرتين. لكن هشاشة هذا الاتفاق تتعاظم. فإذا رجحت كفة الهجوم على إدلب مع سقوط حلب، فقد تجتاح «جبهة فتح الشام» الفوعة وكفريا، وترتكب مجازر وتأخذ رهائن غير آبهة بالنتائج الانتقامية في مضايا والزبداني.
وثمة سيناريو آخر بعد حلب: شن النظام السوري حملة على وادي الفرات تفتتح باستعادة أراض واقعة بين قاعدة كويرس وبحيرة الأسد. والى قطع الطريق أمام تقدم الثوار المؤيدين لتركيا، يبدو أن الأسد وحلفاءه ينوون انتزاع الرقة من «داعش»، وانتزاعها يقتضي السيطرة على سد الثورة على نهر الفرات. والسد هذا يمد الرقة وحلب ودير الزور بالطاقة، ويروي ثلاثة أرباع الأراضي الزراعية في محافظة الرقة، ومن يتحكم بالمياه، يحكم العباد في هذه المنطقة. ورغم أن الأوضاع في دير الزور وإدلب تستدعي تدخلا مستعجلا، فان الجيش السوري لا يملك وسائل شن حملتين عسكريتين في آن واحد. وفي وقت يستسيغ الغرب شن حملة على «داعش» في وادي الفرات ويرى أنها أولوية تتصدر الحملة على إدلب، لا يولي القادة في موسكو ودمشق وطهران بالا الى وجهة نظر الغرب. وإذا قرر الأسد الهجوم على إدلب بعد حلب، فإنه سيستفيد من حياد الأتراك في وقت يسعون فيه الى وضع اليد على منبج أو انتزاع تل أبيض من الأكراد.