لم يتأخر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كشف «أوراقه السورية» ووضع حدا لحال «الاستقالة الأميركية من الملف السوري».
ترامب الذي باشر على الفور بتوقيع وإصدار قرارات وأوامر تنفيذية عاجلة، أصدر وبعد أقل من يومين على إنهاء أعمال أستانا، أمرا تنفيذيا حول السياسة الجديدة لإجراءات اللجوء والهجرة، يتضمن فقرة تنص على «إنشاء مناطق آمنة» داخل سورية وفي المناطق المحيطة.
وتشرح الفقرة التي تتضمن الإشارة إلى المناطق الآمنة أنه «عملا بقرار وقف إجراءات اللجوء لحملة الجنسية السورية، يوجه وزير الخارجية بالتعاون مع وزير الدفاع، بالعمل خلال 90 يوما منذ تاريخ صدور القرار، لإعداد خطة لتوفير مناطق آمنة داخل سورية أو في المناطق المجاورة لها، يستطيع فيها المهجرون السوريون انتظار تسوية عادلة، مثل العودة إلى الوطن، أو إعادة التوطين المحتملة إلى بلد ثالث».
الأمر التنفيذي الجديد، الذي تضمن أول مؤشر واضح ضمن سياسة ترامب المرتقبة تجاه الملف السوري، أثار جدلا ديبلوماسيا واسعا، وساقت بعض وسائل الإعلام في تفسيره كدليل على زيادة الانخراط العسكري الأميركي في سورية، فيما رحبت دول إقليمية عديدة بالمشروع الذي تبنته هي نفسها قبل سنوات، مثل تركيا وقطر.
تركيا هي أكثر المرحبين بمشروع المنطقة الآمنة التي كانت واحدة من أبرز أهداف تدخلها العسكري وعملية «درع الفرات» على أن تكون بطول 98 كلم وعمق 45 كلم، أي بمساحة تقريبية تبلغ 4500 كلم، وتمتد من غرب نهر الفرات.
وبالتحديد من جرابلس شرقا باتجاه أعزاز. ودعت أنقرة مرارا الى إنشاء «مناطق آمنة» ومناطق حظر طيران في سورية بهدف الحد من وصول المهاجرين الى تركيا.
وكانت هذه الدعوة سببا للتباعد مع إدارة أوباما التي تفادت كل أشكال التورط، ولخلافات كبيرة مع روسيا، لأن المنطقة الآمنة كانت تعني تمكين المعارضة السورية المعتدلة من أن يكون لها مقرات ونقاط ارتكاز تتمتع بحماية دوليةـ إقليمية.
روسيا مازالت معارضة لمشروع المنطقة الآمنة وتحذر من العواقب المحتملة لخطوة من هذا النوع. ويبدو أن الطرح الأميركي شكل مفاجأة لموسكو خصوصا لجهة توقيته بعد مفاوضات أستانا وفي غمار تحضيرات مكثفة جارية لإنجاح جولة مفاوضات جديدة في جنيف.
وتقول مصادر ديبلوماسية روسية إن التحفظ الروسي لا يقتصر على التوقيت، لأن موسكو عارضت طوال الفترة الماضية أفكارا من هذا النوع، مشيرة الى أن الخطر الرئيسي فيها يكمن في أنها تشكل انتقاصا لسيادة سورية وتتطلب قرارا من مجلس الأمن.
كما حذرت من أن العواقب المحتملة التي أشار إليها الكرملين، تتمثل في احتمال وقوع صدام مع القوات الجوية السورية في حال انتهكت تلك المناطق، أو احتمال وقوع تصادم مع القوات الروسية حتى لو في شكل غير متعمد أو نتيجة أخطاء.
«المنطقة الآمنة» التي اقتحم بها ترامب الملف السوري والمسار الروسي تطرح تساؤلين:
٭ الأول يتعلق بموقع هذه المنطقة أو المناطق الآمنة، إذ يفرض الواقع الميداني الحالي ثلاثة خيارات على الإدارة الأميركية، هي مناطق سيطرة قوات «درع الفرات» ومناطق سيطرة «قوات سورية الديموقراطية» (الكردية) إلى جانب الحدود الأردنية مع البادية السورية.
وفيما يبقى الخيار الأخير هو الأصعب لوجستيا، لكون المنطقة صحراوية وشبه خالية من التجمعات السكانية اللازمة لتأمين البنية التحتية والخدمات لأي مخيم مفترض، فإنه متاح لجهة تعاون الأردن ووجود تغطية جوية من قوات «التحالف الدولي» في المنطقة.
أما خيار مناطق سيطرة «قسد»، فسيكون متاحا من الجانب اللوجستي مع وجود قوات خاصة أميركية في المنطقة، غير أنه قد يلقى اعتراضا من المكون الأساسي في «قسد» وهو القوات الكردية، لكون غالبية المهجرين من أصول عربية.
ويبقى خيار المنطقة الحدودية التي تسيطر عليها القوات الموالية لأنقرة بين جرابلس وأعزاز، وصولا إلى حدود مدينة الباب، هو الخيار الأكثر فعالية وحساسية للجانب الأميركي في الوقت نفسه.
إذ ستسهل تركيا جميع إجراءات إنشاء المنطقة وخدماتها الضرورية، إلى جانب وجود شبكة واسعة من المنظمات والوكالات الأممية وغير الحكومية التي تعمل قرب الحدود، وبإمكانها تغطية خدمات «المناطق» التي قد تنشأ.
٭ الثاني يتعلق بالصعوبات والعقبات التي تعترض قيام المنطقة الآمنة التي تقع سياسيا خارج التفاهمات الروسية- التركية، وميدانيا داخل رقعة لا تزال تشهد اشتباكات مع «داعش» في منطقة الباب.
ويقول خبراء: «هذا القرار الذي قد يتخذه ترامب للحد من تدفق اللاجئين إلى أوروبا وأميركا، يتطلب بالدرجة الأولى حظرا للطيران، وبالتالي يتطلب اتفاقا مع روسيا التي كانت ردة فعلها الأولية سلبية، إضافة إلى تأمين قوات برية للمواجهة في حال تنفيذ أي هجوم من قبل تنظيم داعش أو أي طرف آخر. من هنا، إن تطبيق الخطة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر احتمال وحيد هو تعاون تركيا سياسيا وعمليا مع روسيا».