يبدو أن روسيا أمام وضع مختلف تماما ومرحلة جديدة في سورية، وأمام إعادة تموضع.
فعندما يقول وزير خارجيتها سيرغي لاڤروڤ إن بلاده تدعم المحادثات بشأن الأزمة السورية في جنيڤ، فإن ذلك يعني الحضور والتأثير الأميركي (بعدما همشت واشنطن في محادثات آستانا، واقتصر تمثيلها على صفة مراقب)، وعكس الرغبة الإيرانية، كما أنه يعني أن مؤتمر آستانا، وبرعاية روسية تركية، لم يحقق أهدافه، أو غير كاف، من دون الحضور الأميركي، وبالتالي فإن حل الأزمة السورية غير ممكن من دون واشنطن، ولا يمكن أن يتحقق بانفراد روسي ـ تركي، ولو تمت ترضية إيران، مما يعني أن الأزمة السورية أمام مرحلة جديدة وأن الروس يحاولون العودة للمنتصف بسورية، والتي تعني أنهم ليسوا ورقة بيد إيران، ولا الرئيس السوري بشار الأسد، وهذا طبيعي حيث يخدمون مصالحهم، ومن أهم مصالح الروس الآن عدم الاصطدام بالرئيس الأميركي دونالد بترامب.
وكل ذلك يعني أن هناك تباين روسي إيراني، وتشتيت للدور التركي، كما يعني عودة الأسد لمكانه الطبيعي كورقة على طاولة لعب الكبار.
روسيا.. وأميركا
كان واضحا منذ البداية أن القيادة الروسية في الكرملين تريد أن تبدأ حوارها مع الإدارة الأميركية الجديدة من منطلق قوة ونفوذ في التعامل مع الملف السوري.
جلوس السفير الأميركي في كازاخستان كضيف شرف يراقب ولا يتكلم في اجتماعات الآستانا، أفرح موسكو، ومنحها شعورا بالتفرد والتفوق والإمساك بجميع خيوط اللعبة هناك.
لا تريد موسكو من واشنطن المساهمة في رسم معالم التسوية السياسية في سورية التي يرجح أن تشمل بقاء الرئيس الأسد في السلطة على الأقل حتى العام 2021. لكنها تحتاج إلى توقيع أميركا على أي تسوية مستقبلية في مناطق السلطة ومناطق قوى الأمر الواقع المعارضة، لجمع أموال إعادة الإعمار من الجهات الإقليمية المانحة. وإدارة ترامب مستعدة للدخول في شراكة مع موسكو لمكافحة تنظيم «داعش».
ترامب حدد المجالات التي ستتعامل فيها الولايات المتحدة مع روسيا، بما في ذلك مكافحة الإرهاب عموما، ودحر تنظيم «داعش» خصوصا، بالإضافة إلى مكافحة انتشار الأسلحة النووية. كما اقترح وجوب إبرام بعض الصفقات مع موسكو فيما يخص الشأن السوري و(الأوكراني).
المفاوضات الأميركية ـ الروسية لم تبدأ بعد، ومن المبكر التدقيق في عناصر الصفقة الكبرى التي قد يريد كل من بوتين وترامب إبرامها، فالأمر أكثر تعقيدا من مجرد ملف سورية أو حتى ملفي سورية وأوكرانيا معا. إنها صفقة المصالح الكبرى ولن تكون بالضرورة سهلة أو قريبة.
ويصعب الآن التنبؤ بموقف الإدارة الأميركية الجديدة حيال الأزمة في سورية. فهناك عدد من الملفات التي كانت وستبقى محط خلاف بين واشنطن وموسكو، بغض النظر عن شخص الرئيس، أبرزها:
٭ إقامة ملاذات آمنة في سورية. فقد دعا ترامب أركان فريقه إلى البحث عن إقامة ملاذات آمنة في سورية، وهذا لا يؤشر إلى سهولة التفاهم بين الكرملين والبيت الأبيض.
فموسكو أعلنت أن واشنطن لم تتشاور معها في خطوة الإعلان عن دعم المناطق الآمنة في سورية وهو ما عارضته روسيا باستمرار تحت ذريعة منع مشاريع التفتيت والتقسيم هناك، وهذا يعني أن الكرملين الذي جمع أوراق اللعبة في سورية بيده يذكر البيت الأبيض أنه لا فرص له في سورية من دون التنسيق المباشر معه.
٭ في الدور الإيراني، حيث تسعى إدارة ترامب إلى دق إسفين بين روسيا وإيران، واستكشاف السبل من أجل تفكيك التحالف الديبلوماسي والعسكري بين روسيا وإيران، في محاولة لإنهاء الصراع السوري من ناحية، وتعزيز القتال ضد تنظيم «داعش» من ناحية أخرى.
وهذه السياسة الناشئة ترمي إلى التوفيق بين تعهدات ترامب لناحية تحسين العلاقات مع الرئيس الروسي، ولناحية تحدي النفوذ العسكري لإيران، أحد الحلفاء الأساسيين لموسكو في الشرق الأوسط. ولكن إقناع الرئيس بوتين بتفكيك تحالفه مع طهران سيكون صعبا ومكلفا وسيؤثر في تحالفات واشنطن مع شركائها الغربيين.
في الواقع، ان روسيا هي اللاعب الأهم في سورية وإدارة ترامب جاهزة لعقد الصفقة معها على أساس الأخذ والعطاء طبقا لفن الصفقات والعمليات التجارية وليس استنادا إلى الحجة الأخلاقية كما فعلت إدارة أوباما.
ولكن في الحال السورية لا يمكن للقوتين العظميين أن توجدا حلا مشتركا واحدا. فعلى رغم أن ترامب يقول إن علاقته جيدة بـ «بوتين»، وعلى رغم الإشارات الديبلوماسية التي ترشح بين حين وآخر بين البلدين بإمكان الاتفاق حول الملف السوري، إلا أنه لا أحد يؤمن بإمكان حدوث واستمرار الشراكة الروسية الأميركية للأبد.
فإما أن تخضع روسيا لأميركا أو أميركا لروسيا ويعيش العالم في قطبية واحدة، وإما أن تتضاد القوتان العظميان لتوازنا روح العالم، وإما أن تميل روسيا باتجاه أميركا لتوازن الدولتان وجود الوحش الصيني في الطرف المقابل، وهذا أمر مستبعد في الوقت الحالي.
أما أن تتفق الدولتان العظميان في مثل هذه الظروف الحالية، كما يقول ترامب، فهذا أمر مستحيل، وسيخضع للاختبار قريبا.. ويفشل!
روسيا.. وتركيا
ثمة حديث عن اتفاق روسي تركي حيال سورية، وأن الرئيس بوتين لن يجازف في خسارة تركيا التي وقعت على مضض على بيان آستانا، وعدلت خطابها حيال بقاء الرئيس الأسد، من باب الحرص على تفاهمها مع روسيا. ويرجع التغيير في الموقف التركي إلى مخاوف من أن يؤدي الانسحاب الروسي في ظل الوضع القائم إلى زيادة النفوذ الإيراني، وإطلاق يد الولايات المتحدة في تنفيذ سياسات ومخططات تهدد المصالح العليا لتركيا.
يمكن وضع عملية تطبيع العلاقات بين روسيا وتركيا في سياق استمرار التجاذب والتنافس لكن على أرضية تقاطع المصالح الاقتصادية والتجارية والسياسية والأمنية المتبادلة، ناهيك عما تمثله الحرب في سورية من مأزق مزدوج لكل من موسكو وأنقرة.
ومن المفترض أن تفسح عملية عودة العلاقات بين الطرفين دورا أكبر لتركيا في العمليات العسكرية ضد «داعش» داخل الأراضي السورية، وأن يكون لتركيا ثقل أكبر في المفاوضات السياسية مستقبلا بين النظام السوري والمعارضة، بما يضمن لأنقرة العمل على إفشال مشاريع إقامة كيان فيدرالي كردي على حدودها الجنوبية.
ليس من مصلحة تركيا انسحاب روسيا من سورية في المدى المنظور، وربما هذا يفسر إعراب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن أمله بإقامة الجيشين التركي والروسي اتصالات مشتركة فيما بينهما بشأن القضية السورية. أبعد من ذلك تعتقد روسيا أن أنقرة قد تقبل ضمنيا بسيطرة جيش النظام على المناطق التي تسيطر عليها حاليا الميليشيات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة (وحدات حماية الشعب)، التي يشكل عمودها الفقري حزب «الاتحاد الديموقراطي الكردي» المرتبط بحزب «العمال الكردستاني» التركي.
يمكن القول ان الإشكالية التي يمكن أن تبرز من وجهة نظر أنقرة تجاه الرؤية الروسية تتعلق بنقطتين: التزام موسكو بالتوقف عن استهداف المعارضة السورية المعتدلة، والتوقف عن تقديم دعم مفتوح لنظام الأسد.
ومن المرجح أن يستجيب الكرملين للتحفظات التركية، فهو في نهاية المطاف يدرك استحالة إعادة الأوضاع في سورية إلى ما كانت عليه قبل قيام الثورة، وأن أي تسوية سياسية دائمة شرطها رحيل الأسد في نهاية المطاف، وهذه نقطة خلاف كبيرة بين موسكو وطهران.
كما أن روسيا معنية بمراجعة نطاق وأهداف تدخلها العسكري في سورية، وإعادة علاقاتها مع تركيا تحمل في طياتها رسالة ضمنية لإيران كي تقبل بالتغيرات المتوقعة على السياسات والتوجهات الروسية بخصوص الملف السوري. كما أن التنسيق الروسي التركي ضروري جدا لمنع عودة آلاف المقاتلين من «داعش» إلى روسيا والدول المجاورة لها.
في المقابل، باتت أنقرة مقتنعة بأنه لا يمكن الوصول إلى حل دون مشاركة موسكو، وأنه يمكن الوصول إلى تفاهمات وتقاطعات مع موسكو تضغط على طهران، وكذلك على واشنطن، وتحقيق ذلك ممكن من خلال المزج بين استخدام القوة العسكرية الروسية والتركية في شكل منضبط وتوسيع استخدام القوة الناعمة.
روسيا.. وإيران
بدت العلاقة الروسية الإيرانية ملتبسة في الأشهر الأخيرة، فمن جهة تتمسك موسكو بدعم دور إيراني أساسي في المنطقة، وتسعى الى تخفيف حدة الاحتقان المتصاعد بين طهران والإدارة الأميركية الجديدة، لكن في الجانب الآخر، لم تعد موسكو تخفي استياءها من تمادي الإيرانيين في محاولات عرقلة الخطط الروسية في سورية، وهي تراقب بحذر مساعي الإيرانيين لتثبيت مكاسب على الأرض سياسية وأمنية واقتصادية استباقا لرسم ملامح المرحلة المقبلة.
والمعروف أن روسيا تعتمد خطابا مزدوجا في تعاملها مع الدور الإيراني في سورية تحديدا، ظاهريا تؤكد احترامها مصالح طهران ودور الإيرانيين الأساسي كطرف ضامن لوقف النار وإطلاق العملية السياسية، بينما لا تتردد خلف الأبواب المغلقة بتوجيه انتقادات لاذعة لطهران: طهران تقوم بعمليات تطهير طائفي في بعض مناطق سورية، وتقوم بمناورات لا تنسجم مع المبادرات الروسية وتخالف قرارات مجلس الأمن.
وفي الفترة الأخيرة، برز الى الواجهة الحديث عن وجود خلاف بين روسيا وإيران حول إدارة الملف السوري، وبالتالي الأسئلة عن ماهية هذا الخلاف وحدوده وفرص تصاعده:
٭ أولا: يختلف الطرفان على مستقبل السلطة ومسار التسوية السياسية، فالهدف المعلن لموسكو هو هزيمة الإرهاب وفرض حل يضمن استقرارا داعما لها، حتى وإن استدعى ذلك إجراء تغييرات في بنية النظام وأهم رموزه، بينما تهدف طهران إلى تثبيت الوضع القائم برمته والحفاظ على استمرار النظام بكل رموزه، يحدوها موقف، كررته في غير مناسبة، يرفض فكرة المرحلة الانتقالية والحكومة الموقتة ذات الصلاحيات الواسعة.
وبعبارة أخرى تتوسل موسكو لتعزيز هيمنتها ونفوذها في سورية، تمكين الدولة ومؤسساتها وبخاصة الجيش النظامي، بينما تميل طهران إلى إعطاء دور للقوى المرتبطة بها، كسبيل لديمومة نفوذها، فضلا عن تغيير البنية المجتمعية التقليدية وفرض نمط حياة يستند إلى البعد المذهبي، ما يضع أكثرية المجتمع السوري أمام أخطار التهجير والتغيير الديموغرافي.
٭ ثانيا: الخلاف على الموقف من المعارضة وجماعاتها المسلحة، بين اعتبارها كلها إرهابية من قبل طهران وبين ميل موسكو للتفاهم مع بعض قواها السياسية وفصائلها العسكرية في محاولة لتدجينها واحتوائها.
٭ ثالثا: تفاوت النظرة بينهما تجاه مستقبل البلاد، بين رؤية روسية تطالب بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية وتحاول استعادة ما أمكن من المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، وبين ميل إيراني للتركيز على استرداد مواقع تخدم إستراتيجيته، وتحديدا ضمن ما بات يعرف بسورية المفيدة، التي تقتصر على المناطق الممتدة من الحدود السورية اللبنانية، إلى دمشق وحمص وحماة وصولا إلى الشريط الساحلي، مراهنا على بعض مكوناتها الأقرب مذهبيا منه، وعلى إمكانية التفاعل معها وضمان ولائها.
في الواقع، يصطدم الخيار الروسي في سورية مع الإصرار الإيراني على حماية ما حققه من نفوذ إقليمي، لكن يرجح، في ظل تعقيدات الوضع الراهن، أن يميل الطرفان نحو تقديم تنازلات متبادلة وخلق توافقات وتفاهمات بينية، ربما ليثبتا مرة أخرى أن الرهان على خلافاتهما ليس صحيحا.
وقد تكون الزيارة المنتظرة للرئيس الإيراني حسن روحاني الى روسيا أواخر هذا الشهر نقطة تحول لتحديد ملامح تطور العلاقة التي وصفها أخيرا مسؤول روسي بأنها «شر لابد منه».