الأوساط الديبلوماسية في بيروت تتابع عن كثب التطورات الجارية في المنطقة والتي تطرق الوضع اللبناني من بوابة عرسال ومعركة الجرود المرتقبة. وفي أساس هذه التطورات الاتفاق الأميركي ـ الروسي الذي جرى إعلانه إثر لقاء ترامب ـ بوتين الأول على هامش قمة هامبورغ، ويشكل إحدى نقاط التحول في مسار الحرب السورية التي سلكت خطا مختلفا منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض. وفي التقييم الديبلوماسي لهذا الاتفاق تبرز النقاط التالية:
1 ـ الاتفاق الروسي ـ الأميركي ينقل الأزمة السورية إلى أعلى مستوى ممكن، ويحصر معالجتها بالقوتين العظميين، بالتالي يجعل كل اتفاق أو قرار بشأنها قابلا للنفاذ، بعد أن علقت المبادرات والحلول لسنوات طويلة في الاستعصاء الذي فرضته توازنات القوة بين المتنازعين المحليين والإقليميين وتناقضاتهم. وبدا أن الاقتناع الأميركي ـ الروسي في تخفيف التوتر من خلال تفاهمات وقف إطلاق النار هو الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى إنجاز التسوية لاحقا بعد أن يكون قد تكرس تقاسم سورية إلى مناطق نفوذ... وجاء التوافق بين ترامب وبوتين ليشكل أول اختبار ميداني حاسم أميركي - روسي بما يمكن تسميته طريقة الاتفاق على تقاسم النفوذ في المنطقة الجنوبية بداية. وفيما أعطي دور للأردن في هذا الإطار، تم توسيع حركة الإيرانيين شرقا حيث الحدود مع العراق. ونجاح خطوة الجنوب ستؤدي لاحقا إلى إنجاز اتفاق شبيه لوقف إطلاق النار شمالا، ولكن مع إدخال العنصر التركي بدلا من الأردني، وهذا ما يفسر بدء وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون مهمة إصلاح العلاقات بين بلاده والأتراك المتوجسين من دور الأكراد والمكاسب التي يطمحون إليها بعد القضاء على «داعش».
2 ـ الاتفاق الذي يشمل جنوب سورية حاليا يتضمن إخراج إيران وميليشياتها من هناك، من خلال حضور عسكري روسي على الأرض، ومراقبة عن كثب من طرف الأردن وإسرائيل لجدية تنفيذ ذلك، ويتضمن من ناحية أخرى القضاء على جيوب «داعش» و«النصرة» في تلك المنطقة، وهو ما ستتكفل به واشنطن والقوى المرتبطة بها على الأرض.
الأمر عينه سينسحب على بقية المناطق، من ريف دمشق إلى حمص إلى الحدود الأردنية إلى الحدود مع العراق، وصولا
إلى شرق سورية الذي سيكون الحلقة الأخيرة والختامية من الصراع ومن التسوية معا، نظرا إلى تعقد وتجمع الملفات الحساسة هناك. فهو الملاذ الأخير لـ «داعش»، وهو مركز الملف الكردي في سورية.
«مسار أستانا» والاتفاق الذي انبثق منه لإقامة المناطق الأربع «لخفض التصعيد»، و«مسار عمان» واتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غربي سورية، نموذجان لإدارة الأزمة بعدما تعب الطرفان المتقاتلان، النظام والمعارضة، وبلغا من الضعف ما يسمح للقوى الدولية والإقليمية بأن تقرر أن سورية المعروفة انتهت، أصبحت مناطق مشرذمة، ولم يعد ممكنا توحيدها ولا حكمها، وأن المتاح هو تقاسمها مناطق نفوذ في انتظار الظروف المواتية لحل نهائي.
3 ـ إيران تقرأ الاتفاق كجزء من الاستراتيجية الأميركية لإزالة نفوذها في سورية. وسيكون لطهران رد فعل سياسي وعسكري على هذا التوافق، وهو رد قد يكون ضمن سورية أو خارجها. صحيح أن هذه الوقائع لم تضعف نفوذ طهران، لكنها تظهر أن ثمة عقبات باتت قائمة أمام تمددها، وأن التقارب الروسي - الأميركي سيربك أهدافها ولا بد أن تعمل للتفلت من قيوده. وضمن هذا المسار، لا يمكن فصل التمدد الإيراني في المناطق الشرقية، فإيران ستسعى بكل قوتها لأن تتولى قيادة معركة دير الزور، لتزاحم الولايات المتحدة في منطقة نفوذها الأقوى في الجزيرة السورية.
وتأتي موافقة إيران على وقف عملياتها العسكرية جنوب غربي سورية وعند الحدود مع الأردن وإسرائيل في إطار صفقة أميركية - روسية، تعترف بمكاسب إيران في جبهات عسكرية أخرى في سورية، التي تعتبر أهم من جبهة جنوب غربي سورية فيما يتعلق بالمصالح الإيرانية في ذلك البلد. وما يهم إيران في الوقت الحاضر هو السيطرة عسكريا على الجبهة الشرقية على طول الحدود السورية - العراقية، بهدف تحقيق هدفها الاستراتيجي، وهو فتح الممر البري الذي يصلها بالعراق وسورية، والذي تسعى إليه إيران بقوة. وأما الأولوية عند إسرائيل فهي لجبهة الجولان تحت خط أحمر عريض هو: ممنوع أن يتحول الجولان وجنوب لبنان إلى جبهة واحدة، وبالتالي ممنوع تمدد حزب الله وإيران من الجنوب اللبناني إلى الجنوب السوري، ولا مشكلة عند إسرائيل في شرق سورية وإذا قررت إيران ربط العراق بسورية عبر الحدود، فإذا كانت درعا والسويداء والقنيطرة خصوصا ممرا بالنسبة لإسرائيل، فإن دير الزور والتنف والبوكمال ليست كذلك.
4 ـ إذا صمدت هدنة الجنوب السوري المتوافق عليها دوليا وإقليميا، واستقر مسارها، وإذا انتهت معركة الرقة خلال الأسابيع المنظورة، فإن المناطق التي تسيطر عليها الميليشيا الكردية شمال شرق سورية مرشحة بقوة لأن تكون محل نقاش عام، سوري وإقليمي ودولي، لأن يحدد مصيرها الموقت بانتظار التسوية الشاملة.
المواجهة الأخرى المؤكدة ستخوضها تركيا لإحباط أي مشروع لدويلة كردية محاذية لحدودها في شمال سورية، أو في أسوأ الأحوال لتكبيل أي كيان كردي بكثير من القيود لمنعه من التحول إلى دولة. هذه معركة تجمع بين إيران وتركيا وتتجاوز خلافاتهما، بل تجمعهما مع نظام الأسد اذا كان لا يزال مؤثرا في المعادلات الدولية والإقليمية.