الأحداث والتطورات التي يشهدها جنوب سورية تقلق إسرائيل، لا سيما لجهة التموضع المستجد لجيش النظام في الجنوب، وإمكانية أن يتيح ذلك تعاظم التأثير الإيراني في كل من العراق وسورية، وأن تستغل إيران فرصة وجود الجيش هناك لنشر قوات من الحرس الثوري وميليشيات شيعية، على رأسها حزب الله، على مقربة من الحدود التي تتصل مع إسرائيل والأردن.
وفي هذا الإطار، يطرح نتنياهو استراتيجية في كل محفل دولي وفي كل لقاء ثنائي مع زعماء العالم، خصوصا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترامب ومساعديهما.
فهو يطالب بضم الجولان المحتل، وكذلك بحصة إسرائيلية دسمة من الكعكة السورية تتجاوز هضبة الجولان، شرقا وجنوبا، على شكل حزام أمني منزوع السلاح.
اذ يعتبر أن الظروف قد تغيرت جوهريا، مما يوجب تغيير المصالح والمطالب، ويعتقد بأن سورية لم تعد دولة مستقلة، بل لم تعد دولة طبيعية وأصبحت مرتعا لأعداء إسرائيل اللدودين.
وهذا ما دفعه إلى التوجه إلى كل من روسيا والولايات المتحدة بطلب الاعتراف بقرار ضم الجولان لإسرائيل وكذلك إقامة «مناطق عازلة»، إذ إنه يعتبر أن التسويات المطروحة للمسألة السورية حاليا تدل على أن النفوذ الإيراني سيبقى، بل وربما سيتعزز، وإسرائيل لن تقبل بأن يقترب الإيرانيون أو حزب الله أو أي طرف مقرب لهما من الحدود ويهدد أمن المنطقة.
ويعارض نتنياهو، في محادثاته مع ترامب وبوتين، وجود إيران وفروعها في سورية. ويستند في مواقفه إلى تقديرات القيادات العسكرية والأمنية الإسرائيلية التي تؤكد أن إيران تغلغلت بشكل عميق جدا في سورية، والحضور الإيراني فيها يصبح حقيقيا أكثر فأكثر بكل ما ينطوي عليه ذلك من معنى بالنسبة لإسرائيل، وأصبحت حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في سورية أكثر إشكالية.
لذا، هو يطالب بأن تتضمن أي تسوية مستقبلية لإنهاء الحرب الأهلية بندا يضمن إنشاء منطقة فاصلة على الحدود بين سورية وإسرائيل في هضبة الجولان. وما يهم إسرائيل هو إبعاد إيران من مناطق حدودها ومنع سيطرتها على المنطقة، خصوصا من جانب حزب الله، لا سيما أن كل الجهات تتنافس على ضمان مكانة لها في سورية استعدادا لليوم الذي يلي زوال «داعش»، وإيران هي الأبرز علما أنها تركز نشاطها من الشرق إلى الغرب، فيما بقيت المنطقة الجنوبية الغربية في سورية فارغة من دون سيطرة أي جهة، خصوصا بعد الأنباء عن انسحاب قوات النظام والميليشيات الموالية لها وإعادة تموضعها في الجنوب.
منطقة عازلة منزوعة السلاح
أكدت مصادر سياسية في إسرائيل طلبها إقامة مناطق معزولة من السلاح في سورية، على طول الحدود مع الجولان، وأن هذا الطلب كان موضوع الحديث الذي أجراه نتنياهو مع بوتين قبل أسبوع، وأن روسيا توافق على الطلب، لكنها تشترط أن تكون المنطقة المعزولة تحت سيطرتها هي، وهو ما ترفضه إسرائيل.
ويتضح أن إسرائيل، التي تطالب منذ عدة شهور بشكل علني بأن يتم الاعتراف الأميركي والروسي والدولي بقرارها من سنة 1981 ضم الجولان المحتل إلى تخوم سيادتها، أضافت مطلبا جديدا، هو إقامة حزام أمني منزوع السلاح على طول الحدود مع الجولان المحتل، بعرض 30 كيلومترا، تبدأ بجبل الشيخ في الشمال، وتمتد نحو الجنوب، ثم نحو الشرق، ليشمل الحدود الأردنية، وفيه أيضا مدينة درعا.
وتطلب ألا يتاح لأي مسلح أو سلاح دخول هذه المنطقة.
ومنع الحرس الثوري الإيراني وميليشياته المسلحة، مثل حزب الله و«سرايا القدس» من دخولها.
واعتبر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت هذا التطور أخطر ما يواجه إسرائيل، وقال إن الخطر الإيراني أكبر من خطر «داعش» بكثير.
ويقول الإسرائيليون إن تركيا تطالب بنزع السلاح في المناطق الحدودية المجاورة لها في سورية، والأردن يطالب بمناطق مماثلة له، لذلك من حق إسرائيل أيضا أن تطرح مطلبا مشابها.
وإذا كانت روسيا وتركيا ستراقبان مناطق شمال سورية، وإيران وروسيا ستراقبان المناطق التي سيتم إنشاؤها في وسط الدولة، فإن روسيا وحدها ستراقب المنطقة الأمنية في الجنوب، قرب هضبة الجولان، وقرب درعا في الأردن.
وتقسيم الرقابة هذا يحمل في طياته بالنسبة لإسرائيل قدرا كبيرا من الهدوء، إذ إن روسيا التي كانت قد تعهدت في شهر مارس لإسرائيل بأنها تمنع وجود القوات الإيرانية وحزب الله قرب الحدود، تمنح الآن ضمانة فعلية لهذا التعهد، خصوصا بعد أن اهتمت قبل ذلك بتراجع معظم عناصر حزب الله من منطقة هضبة الجولان، ولكن ذلك غير مضمون إلى الأبد، لذلك تريدها منطقة معزولة تماما.
وأكدت مصادر إسرائيلية أن محادثات قد جرت في الأردن، بين روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل والأردن، حول إدارة المنطقة الآمنة الجنوبية، ونجحت في الحصول على الموافقة على إنشاء منطقة «نظيفة من إيران».
وكشفت معلومات في السياق ذاته أن السلطات الإسرائيلية الأمنية تسعى لتشكيل جيش سوري تابع لها، في المنطقة الجنوبية من سورية على الحدود مع الجولان المحتل وعلى الحدود مع الأردن.
والفكرة الإسرائيلية مأخوذة من نموذج قريب زمنيا وجغرافيا، من لبنان، إذ تريد تشكيل «جيش سوريا الجنوبي» على غرار «جيش لبنان الجنوبي»، الذي أسسته في منتصف السبعينيات من القرن الماضي بقيادة سعد حداد ثم تولى قيادته الجنرال أنطوان لحد.
وأضافت أن هذه الفكرة بدأت تتبلور مع الاتفاق الروسي ـ الأميركي على وقف النار في الجنوب ومنع قوات إيران وحزب الله وغيره من الميليشيات المسلحة المتحالفة مع النظام، من الوصول إلى هذه المنطقة.
إسرائيل تعتبر منطقة درعا ومحافظة السويداء (جبل العرب)، وسائر المناطق التي تحاذي هضبة الجولان «مناطق مصلحة سياسية وأمنية لها. ففيها يوجد لإسرائيل عدة حلفاء، من بينهم الدروز: «ميليشيات فرسان الجولان»، ووحدات كثيرة تحمل مختلف المسميات. وتعتقد بأنه يمكن لهؤلاء الحلفاء أن يشكلوا قاعدة لإقامة «جيش جنوب سورية»، على غرار «جيش جنوب لبنان» الذي أقامته ومولته إسرائيل.
الاتفاق الأميركي ـ الروسي
ومن هنا جاء تحفظ إسرائيلي على انفراد روسيا بمراقبة جنوب سورية. وهي تنوي بشكل اضطراري التعايش بسلام مع النتائج التي تحققت حتى الآن بين موسكو وواشنطن، ولكنها من جهة ثانية تسعى لخلق بدائل احتياطية.
في السابق، لم تخف إسرائيل أهدافها في الحرب السورية ومن خلالها، والآن لم يتردد نتنياهو في الكشف والتأكيد أن ما يهمه من وقف النار، هو ألا «يسمح (الاتفاق) بتعاظم إيران في جنوب سورية»، مؤكدا أن إسرائيل «ستستمر في متابعة ما يجري خلف الحدود من ضمن موقف ثابت على الخطوط الحمراء الخاصة بنا، ومنع تمركز عسكري لحزب الله وإيران».
ومع أن إسرائيل لم تكن شريكا مباشرا في المفاوضات بين روسيا والولايات المتحدة، إلا أن الطرف الأميركي تبنى مواقفها وهواجسها الأمنية، فيما تواصل نتنياهو مع بوتين، وفي كلتا الحالتين أكد أيضا خلال جلسة الحكومة، أنه في «الأسبوع الماضي تحدثت بعمق مع وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ومع الرئيس بوتين، وقالا لي إنهما يفهمان مواقف إسرائيل وسيهتمان بمطالبها».
مجرد أن تكون ساحة تطبيق اتفاق وقف النار هي الجنوب السوري، وتحديدا المنطقة المتاخمة للجولان، يعني أن إسرائيل هي الطرف الأكثر اهتماما بهذه القضية، لكونها تتصل مباشرة بأمنها، حتى لو لم تكن طرفا مباشرا في الاتفاق.