من الواضح أن العقدة الأكبر في الأزمة السورية هي إدلب التي لم يتفق الفرقاء على أي حل بشأنها، ولم يتوصلوا حتى إلى قواسم مشتركة، باعتبار أنها الأكثر تعقيدا بين مناطق خفض التصعيد.
تقع محافظة إدلب في شمال غربي سورية، وهي محاذية للحدود مع تركيا، وتقع بين محافظة اللاذقية الساحلية ومحافظتي حلب وحماة.
وقد تحولت خلال العامين الماضيين الى مركز تجمع لفصائل المعارضة اضافة الى المدنيين المهجرين التي قصدتها قسرا بعد سلسلة من اتفاقيات المصالحة والتهجير التي فرضها النظام عليها بعد خسارتها للعديد من المناطق التي كانت تحت سيطرتها من التدخل الروسي، وخصوصا عناصر «هيئة تحرير الشام».
وما يزيد الطين بلة هو بسط «النصرة» نهاية شهر يوليو الماضي سيطرتها على معظم أرجائها بعد اقتتال عنيف نجحت خلاله في تقليص حجم «حركة أحرار الشام» التي كانت تتقاسم وإياها الحضور والنفوذ في إدلب، ريفا ومدينة.
ويتوزع ميزان القوى العسكرية فيها بعد «الهيئة» ما بين فصيلي «أحرار الشام» و«جيش الإسلام»، يليهما «فيلق الرحمن» و«الجيش الحر».
بعد سيطرة «جبهة النصرة» على معظم محافظة إدلب، بات سيناريو عملية عسكرية كبيرة أمرا مرجحا.
وتخشى الفصائل المعارضة من أن يشن عليها نظام بشار الأسد حربا لاستئصال وجودها من شمال البلاد، مدعوما بالطيران الروسي بعد تفاهمات مع الولايات المتحدة الأميركية، خصوصا مع دأبها على تصويرها على أنها «قندهار سورية»، ما يعطي نوعا من الشرعية لتدخل دولي ينهي ما تبقى من ثورة تحت ذريعة القضاء على «النصرة».
وثمة حديث عن وضع إدلب المستقبلي عن أنها قد تواجه مصير الموصل، أو قد يكون مصيرها أسوأ حتى، خصوصا أنها محاصرة تماما من جميع الجهات، وليس لها منفذ سوى باتجاه تركيا، ويوجد فيها قرابة 3 ملايين مدني على أقل تقدير.
الروس اعتبروا أنها أصبحت المعقل الأكبر لتنظيم «القاعدة» في العالم.
وتحدثوا عن تحويلها إلى «موصل ثانية» انطلاقا من أن استهداف «الهيئة» في إدلب سيتسبب في حدوث دمار واسع في المنطقة.
أما الخارجية الأميركية فمررت رسائل تحمل تركيا مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في هذه المدينة عبر تسهيل مرور المقاتلين الأجانب وتمكين «جبهة النصرة» من السيطرة عليها.
لن يكون بالإمكان اقتلاع «النصرة» بسهولة، كونها استطاعت تكوين قاعدة اجتماعية لها.
كذلك لن يكون بالإمكان استخدام قوات كردية أو من غيرها في المنطقة لأن ذلك سيدفع الفصائل إلى التحالف مع «النصرة» بدافع عرقي، وهذا ما يميزها عن «داعش» لجهة العلاقة بالمجتمع السوري.
لهذا فإن المعارك معها ستكون صعبة وشرسة في إدلب.
إدلب ليست الموصل.
الذين دافعوا عن الموصل لا يتجاوز عددهم في أكبر حصيلة غير رسمية 5000 عنصر من داعش، تسببوا في إجبار الجيش العراقي وإيران والحشد الشيعي على دفع أكثر من 150 إلى 200 ألف عنصر إلى المعركة، يمكن القول إن عدد عناصر «الهيئة» والفصائل التي تنتشر في إدلب يتجاوز هذا الرقم بما لا يقل عن عشرة أضعاف، ما يعني أن المعركة في هذه المنطقة لن تكون نزهة، فأي عملية حسابية على أسس عسكرية لحجم القوة المطلوبة للهجوم على إدلب ومحيطها يؤكد أنها تستدعي عددا ضخما من العناصر وحجما كبيرا للدعم الجوي، وستكون أصعب بكثير من معركة الموصل، خصوصا أن عدد المدافعين كبير، ومستوى تسليحهم وتدريبهم عال، إضافة لاستعداد الكثير من المدنيين للقتال دفاعا عن أرواحهم وعائلاتهم، الأمر الذي يجعل عملية تحديد حجم القوة المدافعة في إدلب صعبا جدا، ما يعقد أي عملية عسكرية للسيطرة عليها، خصوصا أن إدلب محاطة بالعشرات من البلدات والقرى والمدن التي يوازي بعضها حجم إدلب، التي تجعل من القتال فيها مجموعة من العمليات الصعبة والمرهقة، وهي خليط غير متجانس من العمليات في البيئات الريفية والحضرية، والتي تمنع أي إمكانية لأي عمليات عسكرية مرنة أو عمليات مناورة واسعة، وتجعلها عبارة عن عمليات عسكرية محددة سلفا يغلب عليها الاستنزاف وهي عمليات من دون مفاجآت وواضحة الأبعاد، ما يحسن فرص المدافعين في العمل على صد أي هجوم، خصوصا أنهم يعرفون الأرض بشكل جيد، ما يجعل إدلب ومحيطها الممتد من غرب حلب إلى اللاذقية وشمالي حماة بمنزلة فخ كبير لأي قوة مهاجمة مهما بلغت ضخامتها ودعمها.
أضف الى ذلك أن القوى الثلاثة الأساسية المؤهلة للهجوم على إدلب غير مستعدة وغير جاهزة لأي عملية عليها، فالنظام مشغول شرقا والحشد الشيعي مشغول في تلعفر وباقي المناطق العراقية وربما يصطدم مع الأكراد شمالي العراق، أما الميليشيات الكردية فهي غارقة في الرقة، وتعمل ليلا نهارا على تجنيد الشباب قسريا لتغطية خسائرها الفادحة في المدينة.
كل ذلك يجعل من عملية مباشرة أو سريعة على إدلب أمرا بالغ التعقيد والصعوبة، وغير متناسب مع السياق العام للأحداث الحالية، لكن توجد عدة احتمالات أخرى مثل العمليات الأمنية والضربات الجوية، تمهيدا لعملية على إدلب يستغرق التحضير لها الكثير من الوقت.
هذا من دون إغفال الكلفة المدنية للعملية، والتي ستتفاوت إذا كان الدعم الجوي أميركيا أو روسيا (الأغلب أنه روسي بسبب أن إدلب ضمن النطاق الأساسي للنشاط الروس)، ما يعني كلفة بشرية هائلة بين المدنيين، قد تكون بحد ذاتها سببا لاشتعال الأوضاع أكثر في الشرق الأوسط وتأجيج الصراع طائفيا وعقائديا بشكل أكبر، ما يؤكد أن إدلب ليست الموصل، ومعركة الموصل ستكون نزهة مقارنة بأي معركة في ادلب.
ومعركة إدلب هي نقطة تغير مصيرية ومهمة في تاريخ الحرب السورية، وقد تؤدي لتغيير حقيقي في شكل وتوزع النفوذ في المنطقة.
ومع ذلك، يظل الخيار العسكري واردا بقوة لأن سيطرة «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة) على إدلب يعرض مستقبل شمال سورية لخطر كبير: الولايات المتحدة حذرت من أنها لن تتمكن من إقناع الأطراف الدولية من اتخاذ خطوات عسكرية بعد هيمنة «هيئة تحرير الشام» على إدلب وريفها، وحضت فصائل معارضة التي اضطرت إلى العمل مع «النصرة» على الابتعاد عن التنظيم قبل فوات الأوان، وتركيا أبدت رغبتها في دعم عملية جديدة في إدلب مشابهة لـ «درع الفرات»، ووضعت خطة بالتشاور مع التحالف الدولي من أجل تنفيذ عملية عسكرية مشتركة في إدلب.
وكان النظام السوري قد تحدث في وقت سابق عن إمكانية أن تكون إدلب ساحة لمعركة مفتوحة في المستقبل، لأنها لن تسمح ببقاء إدلب في يد مقاتلي المعارضة إلى الأبد، وهي تنتظر حاليا تفاهما بين الدول الكبرى لدعمها أو خوض الحرب عنها لاستئصال المعارضة من المحافظة.
كما أن إيران حضت النظام على التوغل إلى إدلب عبر السيطرة على جسر الشغور بين إدلب واللاذقية.
وأبدت «قوات سورية الديموقراطية» (قسد) الرغبة للتقدم من عفرين، حيث يقع مركز للجيش الروسي، بدعم من موسكو لطرد «النصرة» منها.
وتفيد معلومات بأنه يجري العمل على إنشاء حلف روسي ـ أميركي ـ تركي ـ فرنسي من أجل شن عملية ضد التنظيم الإرهابي، وقد تشكل إدلب نقطة تقاطع بين الجيشين الأميركي والروسي باعتبار أن إدلب تتحول يوما بعد يوم إلى مشكلة دولية، وعلاجها يجب أن يكون دوليا.