داخل سيارة من طراز هامفي تسير مسرعة أثناء خروجها من مدينة الرقة السورية، يصرخ أحد المقاتلين من قوات سوريا الديموقراطية (قسد) مخاطبا رفيقه الجريح «لا تغمض عينيك. ابق مستيقظا».
ومع اقتراب المعارك من وسط المدينة، بات الطريق الى أقرب مرفق طبي طويل جدا، وأمسى إبقاء الجرحى من مقاتلين ومدنيين على قيد الحياة حتى الوصول الى الوجهة المطلوبة، مهمة تزداد صعوبة.
على طول الطريق المتعرجة بين أبنية مدمرة، يحاول سائق الآلية رغم سرعته الالتفاف حول أكوام الركام المنتشرة في كل مكان، فيما ينزف المقاتل بشدة متأثرا بطلقات نارية أصابته في أضلعه. ووضع رفيقه يديه على رأسه محاولا أن يبقيه مستيقظا بانتظار الوصول الى نقطة إسعاف أولية آمنة في حي المشلب، تقع على بعد 20 دقيقة.
ولدى وصولهم، يهرع مسعفون لوقف النزيف وتضميد الجرح، قبل ان ينقلوا الجريح بسرعة الى سيارة إسعاف تتابع طريقها شمالا.
ويتطلب الوصول الى أقرب مستشفى مجهز في مدينة تل أبيض على الحدود التركية، ساعتين على الأقل، تشق خلالها سيارة الإسعاف طريقها في منطقة مقفرة.
ويقول الممرض لدى الهلال الأحمر الكردي فرهاد دللي لوكالة فرانس برس ان بقاء المقاتل على قيد الحياة يرتبط بالإسعافات الأولية التي يتلقاها خلال ما يسميه المسعفون بـ «الساعة الذهبية».
ويضيف أثناء وجوده في نقطة إسعاف في حاوي الهوى، على الأطراف الغربية لمدينة الرقة، «على الممرض أو المسعف أن يوقف نزيف الجريح المصاب بطلق ناري أو جراء ألغام».
وقتل مئات المدنيين، كما أصيب آخرون بجروح جراء المعارك التي تشهدها مدينة الرقة منذ شنت الميليشيات الكردية التي تهيمن على «قسد» بدعم من التحالف الدولي بقيادة اميركية، هجوما لانتزاع المدينة من داعش، حيث يوشك التنظيم على خسارة كامل المدينة التي كانت تعد معقله في سورية منذ العام 2014.
وعمل الهلال الأحمر الكردي على إقامة نقاط إسعاف أولية عدة على أطراف المدينة تقدم خدماتها لما بين 80 و 100 جريح يوميا، بحسب دللي.
ويوضح انه يتم إرسال بين 10 و 12 جريحا يوميا الى مستشفيات خارج الرقة.
ويزداد إيصال الجرحى وهم أحياء الى المستشفيات المتخصصة صعوبة. ففي المراحل الأولى من الهجوم في يونيو، كان الطريق من خطوط الجبهات الى مستشفى تل ابيض يتطلب 90 دقيقة.
ومع وصول المعارك تدريجيا الى وسط المدينة وازدياد عدد نقاط التفتيش على طول الطريق التي لا تخضع لأي نوع من الصيانة، باتت الرحلة تتطلب وقتا مضاعفا.
وتقول فانيسا كرامون وهي منسقة طبية في منظمة أطباء بلا حدود التي تقدم دعما لمستشفى تل ابيض «هذا الوقت الطويل الذي تتطلبه الطريق يعني ان الجرحى غالبا ما يصلون وهم في حالة حرجة. ويتطلب ذلك منا وقتا إضافيا لإعدادهم» قبل الدخول الى غرفة العمليات «اذا تمكنوا من ذلك».
وتعتبر انه «لو كان من الآمن وجود مستشفى يمكن إجراء الجراحة فيه قرب خطوط الجبهة، لشكل ذلك فرصة لعلاج هؤلاء الأشخاص ومنحهم فرصة أفضل للنجاة في حالات مماثلة».
ويشكل عدم توافر خدمة الهواتف الخلوية عائقا إضافيا للتواصل بين الطواقم الطبية التي تتوالى على معاينة الجريح.
ويوضح دللي انه لتخطي هذه المشكلة «نسجل كل شيء على بطاقة ونرسل صورة للمريض الى المشفى في تل أبيض قبل وصوله، لنشرح حالته».
ويتابع «بذلك يكونون مستعدين لاستقبال هذا المريض».
وبحسب كرامون، فإن هذه الرسائل مهمة للغاية. وتقول اثناء وجودها خارج غرفة الطوارئ، حيث تفحص ممرضة طفلا قدمه مضمدة «كل دقيقة تحتسب في حالات الرعاية الطارئة».
وتشرح «نتمكن من تبادل صور الجرحى لتقديم بعض النصائح وتحضير انفسنا حتى نعرف عدد المرضى القادمين وكيف سنستجيب ومن يذهب الى غرفة الجراحة أولا».
ويشكل جرحى الحرب في مدينة الرقة غالبية المرضى في مستشفى تل ابيض.
وتضيق قاعة الانتظار خارج غرفة الطوارئ بالأطباء والمرضى وأقربائهم الذين يتحركون وسط حالة من الفوضى فيما يتردد صوت صراخ الاطفال في الممرات.
وداخل جناح للرعاية الطارئة، يمكن قراءة أرقام ومعلومات مدونة بقلم احمر بخط اليد على الاسرة الموجودة، حيث يستلقي 4 رجال في منتصف العمر يتلقون العلاج جراء اصابات في أذرعهم وأرجلهم.
وفي غرفة أخرى مبردة، تتلوى فتاة صغيرة من الألم فيما حروق بالغة تغطي وجهها.
وعلى رغم تركز المعارك في آخر جيب يتحصن فيه مقاتلو داعش في وسط الرقة، فإن الطواقم الطبية تستعد لتدفق أعداد إضافية من المصابين، في ظل الخشية من استخدام التنظيم للمدنيين كدروع بشرية.
وتقول كرامون «طريقة تطور النزاع في هذه المرحلة، (توحي) بأن هناك المزيد من المدنيين تحت الخطر».
ويتهم ناشطون قوات التحالف بعدم مراعاة المدنيين المحاصرين، ويتهمونها بارتكاب عدة مجازر بحقهم، وليس آخرها الغارة التي نفذتها طائرات التحالف على مدنيين كانوا يحاولون الحصول على المياه من آخر بئر في المدينة.