تواصل إسرائيل غاراتها الجوية في الداخل السوري وانطلاقا من الأجواء اللبنانية، ويكتسب الهجوم الذي وقع قبل يومين أهمية في التوقيت والرسالة والأبعاد التي ينطوي عليها.
التوقيت يتزامن مع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى إيران، والرسالة موجهة أولا الى روسيا للأخذ في الاعتبار المصالح الأمنية الإسرائيلية في سورية، واحتواء النفوذ الإيراني عبر حزب الله، أما الأبعاد فإنها تتصل بالمبارزة الإسرائيلية ـ الإيرانية في سورية، وحيث تسعى إسرائيل الى رفع درجة ضغوطها العسكرية وتغيير قواعد اللعبة بأن تكون لها المبادرة الى شن هجمات جوية وصاروخية داخل الأراضي السورية من دون رد، فيما ترفض إيران مثل هذا التغيير وهذا الخرق في الستاتيكو القائم وتشجع النظام السوري على الرد بصواريخ أرض ـ جو.
وتسود الساحة السياسية الإسرائيلية حالة من الترقب والقلق نتيجة: فشل رئيس الوزراء الاسرائىلي بنيامين نتنياهو في تحقيق إنجاز في معركته ضد الاتفاق النووي الإيراني الذي جعله أبرز الأخطار المحدقة بإسرائيل والمنطقة، وفشل الرهان على مشروع الأكراد العراقيين للانفصال وسعيهم لبناء دولتهم الخاصة، ما يعني بالنسبة الى إسرائيل أن إيران اخترقت العمق الاستراتيجي للتحولات الجارية في الشرق الأوسط.
في التقديرات الإسرائيلية، ان النظام السوري اتخذ قرارا بالرد على إسرائيل من الآن فصاعدا بعد أن شعر بالنشوة في أعقاب نتائج حربه على المعارضة، وأن إيران تضغط على النظام السوري للرد على إسرائيل لأنها تريد إقامة «حزب الله 2» على الأراضي السورية لفتح جبهة ثانية ضد إسرائيل.
وفي هذه التقديرات أن إسرائيل أخطأت في العام 2011 مع بدء الانتفاضة في سورية عندما قررت حكومتها عدم التدخل بحجة أن هذه الحرب جيدة لها، وأن كل نتيجة ستأتي بها ستكون لمصلحتها، ولكنها لم تدرس بعمق احتمالات أن تخرج إيران منتصرة في هذه الحرب.
وبالتالي، فإن النتائج التي ترتبت عليها كانت بأن وجدت نفسها أمام وجود إيراني لن يكون في وسعها وحدها منعه أو إنهاؤه، وهي بأمس الحاجة إلى التنسيق مع واشنطن وموسكو لإيجاد مخرج من الواقع الناشئ.
لقد باتت إسرائيل على يقين من أن عملية إطلاق الصواريخ ليست حادثا عابرا، ومن أن الرد الإسرائيلي على الاعتراض السوري غير كاف لثني النظام عن هذا الخيار، كون القرار ليس بيده. وتخوفت من أن يتحول هذا الاعتراض إلى محطة في سياق تصاعدي على مستوى التصدي للطائرات الإسرائيلية، بصرف النظر عن منسوبه وتوقيته وساحته.
وتبادل الرسائل الكلامية والعملانية بين دمشق وإسرائيل قد يكون مؤشرا إضافيا على ما ينتظر إسرائيل في الساحتين السورية والإقليمية. كان لافتا للانتباه أن المحلل الإسرائيلي رون بن يشاي تحدث قبيل بضعة أيام عبر موقع «يديعوت» عن بدء هجوم ديبلوماسي وعسكري سوري ـ إيراني على الجبهة السورية ـ الإسرائيلية. في تحليله يتوقف بن يشاي عند ما أسماها الأهداف الإيرانية من التصعيد في جبهة الجولان.
في رأيه، يتطلع الإيرانيون في هذه المرحلة لتحقيق أمرين: الحصول على شرعية دولية وإقليمية لتواجدهم على التراب السوري ومنع إسرائيل من مواصلة هجماتها داخل سورية.
واللافت في مقال بن يشاي ذكره أن السوريين قاموا في الأشهر الأخيرة بمحاولات عدة لاعتراض الطائرات الإسرائيلية في أجواء لبنان وقبالة السواحل السورية. كلام بن يشاي يأخذ بعدا آخر إذا ما قرئ معطوفا على كلام نتنياهو في افتتاح الدورة الشتوية للكنيست قبل ذلك بأيام، إذ حذر نتنياهو من مخاطر التدخل الإيراني في سورية كخطر واضح، ومباشر يفوق التهديد النووي. ومن يراقب خطابات نتنياهو منذ زيارته الأخيرة الى موسكو في مطلع صيف 2017 يلاحظ ارتفاع منسوب حديثه عن القوات الإيرانية في سورية بدلا من حديثه عن الاتفاق النووي.
إيران في سورية تربك نتنياهو أكثر من أي شيء، وقد صارح بذلك الرئيس الروسي أكثر من مرة، ساعيا الى إقناعه بالضغط على الطرف السوري (والإيراني) لثنيه عن خيار التصدي للطائرات الإسرائيلية حتى لا تحشر إسرائيل، ومن ثم يتدحرج أي حادث إلى مواجهة ما. وربما تسعى إسرائيل إلى محاولة انتزاع شرعية روسية لخيار إسرائيلي ما، وبهدف تحييد القوات العسكرية الروسية، وهو ما يسهم في تعزيز الجدية حول خياراتها.
وكانت إسرائيل استغلت زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الى تل أبيب لتحسين شروطها على الساحة السورية والتأثير على الموقف الروسي من إيران، وقصفت بطارية صواريخ روسية الصنع لإظهار جديتها، واظهرت هذه الزيارة الخلافات وتباين الآراء وتعارض الاستراتيجيات بين الطرفين، وتحديدا ما يتعلق بالهدف الرئيسي للزيارة: قلق إسرائيل من المرحلة المقبلة.
وأعادت إسرائيل التأكيد للضيف الروسي على سلة المطالب الإسرائيلية: ضرورة فرملة الرئيس السوري بشار الأسد وإفهامه أنه يلعب بالنار، وإسرائيل تنظر بخطورة إلى إطلاق الدفاعات الجوية نيرانها باتجاه الطائرات الإسرائيلية، وضرورة التدخل والإيعاز إلى القوات الإيرانية بالابتعاد عن الحدود إلى مسافة ما بين 40 و60 كيلومترا، والتنبه إلى أن المئات من الإيرانيين ومن حزب الله موجودون حاليا على مسافة ما بين 10 و20 كيلومترا عن الحدود.
في الواقع، تريد إسرائيل تحويل منطقة خفض التصعيد في الجنوب الغربي السوري إلى منطقة عازلة نهائيا لسببين أساسيين: الأول، إبعاد المجموعات المسلحة في سورية عن حدودها وفي المقام الأول حزب الله.
والثاني، وضع كل العراقيل الممكنة أمام إنشاء إيران قاعدة عسكرية لها على الأراضي السورية. وهذان البندان يتصدران الأولويات في موقفها من الوضع القائم في سورية.
تنصت روسيا إلى المطالب الإسرائيلية، لكنها تكرر الموقف نفسه الذي سمعه نتنياهو في السابق من بوتين بأن روسيا تتفهم الحاجات الأمنية والمصالح الإسرائيلية، وبأنها ستفعل ما في وسعها لإقناع الأسد والإيرانيين بعدم الضغط أكثر، فيما أكد على مطالب روسية في المقابل: أن تفرمل إسرائيل هجماتها في الساحة السورية لعدة أشهر كي يتمكن الأسد من فرض سيطرته على سورية دون احراجه في حال عدم الرد على القصف الاسرائيلي المتكرر.
وفي حين يبدو بوتين غير متحمس للدخول في مشكلة مع إيران بسبب إسرائيل أو من أجلها، تفيد معلومات بأن وزير الدفاع الروسي أبلغ الإسرائيليين بأن تأثير روسيا على الأسد محدود، اذا ما قورن بالنفوذ الايراني المتعاظم، وهذا ما تفاجأوا به، كما أبلغهم بأن بلاده توافق على توسيع الحزام الأمني المحاذي للحدود مع إسرائيل، والذي يحظر فيه على القوات الإيرانية وميليشيات حزب لله وغيرها من الميليشيات أن توجد فيها.
وقالت ان إسرائيل طالبت بأن يكون عرض هذا الحزام 40 كيلومترا في عمق الأراضي السورية وعلى طول الحدود في الجولان، بدل 5 كيلومترات حاليا.
لكن شويغو رد قائلا إن المطلب الإسرائيلي غير واقعي، والمساحة التي تطلبها إسرائيل مبالغ فيها. وأضاف أن إيران وميليشياتها لم تقترب من الحدود مع إسرائيل ولم تطلق طلقة باتجاهها منذ وصول القوات الروسية إلى سورية، ما يعني أن المطلب الإسرائيلي زائد عن الحاجة. لكنه وافق على توسيع هذا الحزام في ختام محادثاته الى 10 ـ 15 كيلومترا، والمعادلة الروسية بين إسرائيل وسورية هي: وقف الهجمات الإسرائيلية مقابل ابتعاد إيران عن الحدود.