الغوطة الشرقية المحاذية للعاصمة دمشق منطقة سكنية تبلغ مساحتها نحو ١١٠ كلم٢ ومؤلفة من عدة مدن وأحياء، أبرزها دوما وحرستا وعربين وفيها أكثر من 400 ألف مدني بحسب الأمم المتحدة، ويتواجد فيها الآلاف من المقاتلين المعارضين و«جيش الإسلام» و«فيلق الرحمن») إضافة الى بعض مقاتلي جبهة النصرة.. وبالتالي، فإن معركة الغوطة الشرقية ليست سهلة وإنما تبدو معركة صعبة ومكلفة ومدمرة، والجيش السوري يخوضها على طريقة «الأرض المحروقة»، على غرار ما حدث في حلب، وكانت النتيجة سقوط الآلاف من المدنيين وعجز المجتمع الدولي عن إيقاف المعارك والمجازر.
هذه المعركة من الناحية العسكرية ستكون معركة قاسية وحاسمة وستستخدم فيها قوة نارية هائلة وكل تكتيكات حرب الشوارع، وبالنسبة للنظام السوري هذه معركة لا رجوع فيها الى الوراء وهناك قرار بإخضاع الغوطة الشرقية أيا يكن الثمن، إذ لا يمكن استمرار الوضع الذي يضع العاصمة دمشق تحت رحمة فصائل معارضة لا تبعد كيلومترات قليلة عن مركزها.
تشبيه معركة الغوطة الشرقية بمعركة حلب لا يعود فقط الى طبيعة المعركة الحاسمة والمدمرة، والتي يدفع ثمنها المدنيون بالدرجة الأولى وسط مظاهر موقف دولي متأرجح بين التفرج والعجز.. وإنما يعود أيضا الى تشابه في الظروف السياسية والاستراتيجية العامة المحيطة بمعركة الغوطة وشبيهة الى حد ما بتلك التي أحاطت بمعركة حلب، وتحديدا لجهة:
١ ـ موقف تركيا هو موقف السكوت عما يجري في الغوطة، مقابل غض نظر روسي عن خوضها عملية «غصن الزيتون» (معركة عفرين) ضد الأكراد.
هذا الموقف يذكر بموقف تركيا في حلب حيث أقدمت على سحب فصائل من «الجيش السوري الحر» واقعة تحت نفوذها المدينة لتسهيل دخول الجيش السوري وحلفائه مقابل مراعاة موسكو تنفيذ تركيا عملية «درع الفرات» لإبعاد القوات الكردية عن حدودها.
تبرم تركيا «صفقة غض النظر» عن الغوطة التي تلاقي مصيرا أسوأ مما حدث في حلب نتيجة صفقة تركية روسية، وذلك مقابل إعانتها في الانتصار في عفرين.
٢ ـ الموقف الروسي الذي يعود مجددا الى نقطة شبيهة بتلك التي كان فيها عشية معركة حلب، وهي نقطة عدم السيطرة الكاملة وعدم القدرة على التحكم تماما بمجريات الأوضاع والحسم على الأرض للانتقال الى العملية السياسية... تبدو روسيا كأنها فقدت السيطرة التي كانت قادرة عليها قبل فترة عندما أعطت انطباعا بأنها هي التي تملك المفاتيح الأساسية في سورية. فما يجري في الغوطة يعني أولا سقوط الاتفاق الثلاثي (الروسي ـ التركي ـ الإيراني) بشأن مناطق خفض التصعيد التي كانت الغوطة من ضمنها ومشمولة بهذا الاتفاق.. ويعني ثانيا أن انهيار «مسار أستانا» بعد تعثر «مسار سوتشي» بات أمرا واردا وبقوة، في وقت تزداد التشنجات الأميركية ـ الروسية وتحاول الديبلوماسية الروسية اللعب على الحبال المشدودة.
تكتشف روسيا الآن أنها تسرعت في إعلان الانتصار وانتهاء الحرب والإعلان عن سحب الوحدات الأساسية وإطلاق العملية السياسية والتفكير في فتح ملف إعادة الإعمار.. تكتشف أيضا أن رهانها على تفاهمات شاملة مع الولايات المتحدة لم يكن في محله، خصوصا بعد زوال العدو المشترك (داعش) وبروز التنافس المشترك على مستقبل سورية وثرواتها.. ومجمل هذه التحولات تدفع بروسيا الى الاقتناع بعدم جدوى طرق سابقة اعتمدتها في الغوطة، والى الاندفاع باتجاه تأييد القرار السوري ـ الإيراني بالحسم في الغوطة وسحقها بمن فيها، إضافة الى إعادة الاعتبار للتواجد العسكري الروسي في سورية وإرسال تعزيزات نوعية على صعيد سلاحي الجو والبحر في مؤشر عملي الى حصول تحول جديد في موقف روسيا مختلف عن توجه سابق بتقليص الوجود العسكري وبالتقليل من أهمية وخطورة التحركات الأميركية في سورية.