بعد إحباط مشروعها السياسي في سوتشي، والتجرؤ عليها عسكريا بضرب صورة «الانتصار» الذي تباهى به الرئيس فلاديمير بوتين قبل أشهر من قاعدة حميميم، وجر بعدها سلسلة من العمليات المؤلمة ضد قواته، كان متوقعا أن سيد الكرملين لن يسكت مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.
بعد شهرين فقط من إعلانه النهاية الناجحة للعمليات العسكرية في سورية، ربما يتطلع الرئيس الروسي إلى طريق تجعله يخفف من وطء أقدامه على الأرض التي مزقتها الحرب، من دون التخلي عن مكاسبه، فقد جاء زهو بوتين بـ «إنجاز أهداف الحملة» قبل أوانه بكثير، فقد بدأت شريحة متزايدة من الرأي العام الروسي في ملاحظة التكلفة المتعاظمة للمغامرة التي تخوضها روسيا في سورية، سواء من ناحية الدماء أو التكلفة المادية، وقد أظهر استطلاع للرأي العام أجري مؤخرا ونشره الإعلام الروسي أن ثلث الأصوات الروسية فقط حاليا تساند استمرار التورط الروسي في سورية، وهو ما جاء رسالة واقعية لبوتين في الوقت الذي يستعد فيه لإعادة انتخابه، بحسب تقرير لصحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية.
الأسوأ من كل ذلك أن شعبية الدور الروسي في سورية قد أخذت في التراجع بين مسلمي روسيا الذين يمثلون ٢٠% من تعداد الفيدراليات الروسية.
جاءت العودة الصارخة لموسكو إلى الحرب في سورية في توقيت دقيق، جميع المتصارعين على هذا البلد يخوضون مناوشات ميدانية مباشرة تنذر بحرب واسعة، من روسيا إلى الولايات المتحدة مرورا بإيران وتركيا وإسرائيل، وحفلت الأسابيع الأخيرة بمفاجآت عسكرية منذ أكثر من شهر بلا توقف، وشكلت توكيدا صارخا على أن الأزمة في بلاد الشام دخلت مرحلة جديدة، وبدا الرئيس بوتين أمام تحد مفصلي، ثمة نزاع على مستقبل مشروعه ودوره وقراره، تعرضت قواته لهجمات دموية، ولم يفلح مؤتمر سوتشي في دفع التسوية السياسية، فقد طرحت إدارة الرئيس دونالد ترامب بالتفاهم مع فرنسا وبريطانيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة رؤية مختلفة للحل السياسي والإصلاحات المطلوبة التي يجب أن تبقى تحت عباءة الأمم المتحدة.
أطراف كثيرة أسقطت مشروع سوتشي.. الولايات المتحدة ودول أوروبية ومجمل الفصائل العسكرية الرئيسية و«الائتلاف الوطني» للمعارضة، لم يعد هناك تاليا مبرر لبقاء «مناطق خفض التوتر»، فقد لجأت موسكو إلى هذه الهدنات توطئة أو رافعة التسوية السياسية التي كانت ترسمها خدمة لأهدافها أولا وأخيرا، لم تفلح هذه المحاولة في الالتفاف على دور الآخرين المعنيين بالأزمة السورية والقفز فوق القرارات الدولية، ولم يبق مفر أمامها سوى رفع التحدي والذهاب إلى خيار الحسم العسكري، ولا شك في أن معركة الغوطة تؤشر أيضا إلى بداية حرب واسعة لإسقاط كل مناطق التهدئة.
روسيا وإيران ترغبان في بقاء الرئيس بشار الأسد وحكومته، ولا يقدم أي من البلدين على محاولة تغيير النظام السوري لأنهما تعتقدان أن أيا ما كان الذي سيحل محله سيكون أسوأ من النظام الحالي، وإن كان لكل طرف رأيه بالحسم الميداني.
هدف الكرملين، تجنب خسارة ميدانية كبرى قبل موعد انتخابات الرئاسة في ١٨ مارس المقبل كما حصل لدى ضرب الجيش الأميركي قتل المئات من «المرتزقة» الروس قرب دير الزور وإسقاط قاذفة روسية في إدلب وتعرض قاعدة حميميم لهجوم بطائرات «درون»، كما أن الكرملين يرمي إلى «إنجاز ميداني» عبر تكثيف الضغوط العسكرية إلى الحد الأقصى ووضع غوطة دمشق أمام خيارين: قبول شروط روسيا، أو الاستعداد لاقتحام وتكرار «سيناريو حلب».
لا تستطيع روسيا احتمال الهزيمة على الملعب السوري، الأمر يتعلق بموقعها، وهيبة جيشها، وقدرة ديبلوماسيتها.
الفشل يعني انهيار حلم استعادة الموقع وإرغام أميركا على التعامل بندية مع البلاد التي خرجت مجروحة من الركام السوفييتي، والنجاح في سورية يعني بالنسبة إلى روسيا فرض حل سياسي وفق تصورها، وكلما تعثرت محاولات موسكو فرض الحل الذي يلائمها تضاعفت رغبتها في الذهاب أبعد بحثا عن انتصار يحسم المعركة في الميدان، والحسم الكامل يصطدم بصعوبات كثيرة فضلا عن أنه مكلف، وتضاعف قلق موسكو بعدما ظهر في الأشهر الأخيرة أن واشنطن غادرت سياسة مبايعة الحل الروسي لتعود إلى سياسة الإمساك بأوراق على الساحة السورية نفسها، ربما هذا ما يفسر موقف روسيا خلال المفاوضات المضنية التي سبقت صدور قرار مجلس الأمن الأخير حول سورية، تشعر موسكو أن الوقت الذي عمل في السابق لمصلحتها بات يلعب ضدها.
تقول مصادر ديبلوماسية غربية في باريس إن أبرز تجليات أزمة موسكو في الشرق الأوسط تتمثل بالمسألة السورية رغم ما يبدو للوهلة الأولى على أنها تعكس نجاحا روسيا، الأول من نوعه في المنطقة منذ عقود طويلة، ودعت هذه المصادر موسكو إلى إعادة النظر في استراتيجيتها السورية قبل أن يفلت الوضع من يديها وتجد نفسها في «أفغانستان جديدة» مع مخاطر تقسيم سورية، وتوضح المصادر أن أول ناقوس خطر يتعين على موسكو أخذه بعين الاعتبار هو أنها بدت عاجزة عن تحويل نجاحاتها العسكرية التي تحققت من صيف العام ٢٠١٥ إلى نجاح سياسي، بمعنى التوصل إلى إغلاق الملف السوري بـ «تفاهمات سياسية» تلقى قبولا دوليا وتكون قادرة على وضع حد للحرب، ولاحظت أن المعارك مازالت قائمة، خصوصا أن الحرب تحولت طبيعتها بعد الهزيمة التي ألحقت بـ«داعش»، بحيث انتقلت إلى حرب شبه مباشرة بين قوى إقليمية ودولية إيران - إسرائيل، تركيا - الولايات المتحدة الأميركية، وأيضا روسية - أميركية.
في المقابل، أشارت إلى أوراق القوة يستطيع الغربيون تشغيلها من أجل منع موسكو من فرض الحل الذي سيخل بالتوازنات الاستراتيجية إذا كانت إيران ستكون أحد المستفيدين منه، وقالت إن الورقة الأهم بأيدي الغربيين هي الانخراط الأميركي المستجد وأن قرار واشنطن الإبقاء على قواتها في الشمال والشمال الشرقي في سورية مع ما يرافقها من قواعد والسيطرة من خلال وحدات حماية الشعب الكردية على ٢٤% من الأراضي السورية وعلى معظم ثروة البلاد النفطية والغازية يعطي واشنطن (والغرب بشكل عام) ورقة ضغط قوية على موسكو لأن لا شيء يمكن أن يفرض على الطرف الأميركي سحب قواته لا سياسيا ولا عسكريا، رغم التنديد الروسي والإيراني واحتجاجات النظام، وقالت: «سيكون على موسكو إما السعي للتفاهم على حل وسط أو المخاطرة بوجود تقسيم فعلي لسورية، وفي الحالتين، فإن أمرا كهذا يعد انتكاسة لموسكو».