سريعا وصلت الحرب السورية إلى أعتاب مرحلة قد تؤدي فيها محاولة الرئيس بشار الأسد استعادة أراض إضافية إلى نشوب صراعات أوسع مع القوى الأجنبية التي أرست قواعد عسكرية لها في سورية.
وفيما لاتزال روسيا وايران تقفان بثبات خلف الأسد، أعرب أعداؤه الخارجيون عن إدانتهم للهجمات العنيفة في الغوطة الشرقية إلا أنهم لم يتحركوا لوقفها وهو ما حصل في السابق في حمص وحلب ومناطق أخرى.
لكن خريطة الصراع تشير إلى أن أمام الأسد مرحلة أكثر تعقيدا في سعيه لاستعادة «كل شبر» كما وعد.
اذ توجد قوات أميركية في مناطق شاسعة تزيد على ربع مساحة سورية من الشرق والشمال الشرقي لدعم الميليشيات الكردية الانفصالية التي تسعى للحصول على الحكم الذاتي من دمشق. ولم يتوانى الجيش الأميركي في استخدام القوة لرد محاولات قوات النظام التقدم في تلك المنطقة وقتلت وجرحت أكثر من 300 من المرتزقة الروس في الهجوم الأخير.
وأرسلت تركيا قوات إلى الشمال الغربي لمهاجمة وعرقلة تقدم المجموعات الكردية ذاتها، حيث أقامت منطقة عازلة بينما أعاد المسلحون المعارضون تجميع صفوفهم في الشمال.
وفي الجنوب الغربي حيث تسيطر فصائل معارضة على أراض على الحدود الإسرائيلية والأردنية، يواجه الأسد خطر الصراع مع إسرائيل التي تريد إبعاد حلفائه المدعومين إيرانيا عن الحدود وشنت إسرائيل هجمات جوية شرسة على مواقع ايرانية عدة.
ويعتقد البعض أن سورية المقسمة إلى مناطق نفوذ قد تبقى على ما هي عليه لبعض الوقت، وربما لسنوات، مع اضطرار الأسد إلى قبول التقسيم الفعلي وعدم وجود احتمال لسلام من خلال التفاوض.
ويخشى آخرون من تصعيد آخر يشمل تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وروسيا.
وقال ديفيد ليش الخبير في شؤون سورية «لا أعتقد أن النصر قريب» كما يعتقد النظام، مشيرا إلى أن الأسد يواجه الآن «مستنقعا ديبلوماسيا».
وما زال الغرب يأمل أن تمارس روسيا ضغوطا على الأسد. وتحجب البلدان الغربية مساعدات إعادة الإعمار حتى يتم تنفيذ عملية الانتقال السياسي. لكن العديد من المحللين في الشؤون السورية يقولون انه بالنسبة لروسيا لا يوجد بديل للأسد يمكن الاعتماد عليه.
وفي العام 2015 كان النظام يسيطر على أقل من خمس سورية. ووصلت القوات الجوية الروسية ليتحول مسار الحرب في سبتمبر بعد العمل بشكل وثيق مع إيران والقوات التي تدعمها ويشكل حزب الله اللبناني رأس الحربة فيها. ويقاتل حزب الله دعما للأسد منذ العام 2012.
ويسيطر الأسد الآن على نحو 58% من سورية بما في ذلك المدن الرئيسية والساحل امتدادا الى الصحراء غرب نهر الفرات.
وعادت إلى الأضواء مناطق الجنوب الغربي، وربما تكون هذه المناطق إحدى المناطق التي تختلف فيها الأولويات الروسية والإيرانية والاسرائيلية، وقال قائد في تحالف الميليشيات العسكرية التي تقاتل لدعم الأسد إن المطالب الإسرائيلية بمنطقة «عازلة» تمتد من حدود الجولان إلى عمق 40 كلم غير مقبولة.
وأضاف القائد الذي طلب عدم نشر اسمه «هذا ما لن نقبل به ولم تقبل به الدولة السورية.. سنرفع نسبة قوة الردع بوجه الإسرائيلي بالجنوب السوري».
وأبرز إسقاط طائرة إف ـ 16 إسرائيلية أثناء عودتها من قصف جوي في سورية الشهر الماضي مخاطر نشوب صراع بين إيران وإسرائيل.
واحتواء إيران هو أحد أهداف السياسة الأميركية المتبلورة حديثا تجاه سورية، حيث أقامت واشنطن نفوذا من خلال تحالفها مع وحدات حماية الشعب الكردية التي تسيطر على قوات سورية الديموقراطية (قسد) وتمتد سيطرتها على حوالي ربع البلاد وهو ما يعد ثاني أكبر جزء من سورية.
واتسعت أهداف الولايات المتحدة إلى ما هو أبعد من محاربة داعش إلى كبح جماح إيران وتمهيد الطريق دبلوماسيا لرحيل الأسد في نهاية المطاف رغم أن دعوة واشنطن إلى «الصبر» على هذا الصعيد تشير إلى صعوبات في تحقيقه.
وقال جوشوا لانديس الخبير في الشؤون السورية «السوريون يحلمون بكيفية استخدام حرب العصابات ضد الاميركيين لكن من الصعب الوصول إليهم وهم محميون من قبل وحدات حماية الشعب. الولايات المتحدة أصبحت أكثر ذكاء بشأن احتلال الدول العربية».
وتوقع مسؤول كبير في المعارضة أن تستقر سورية على تقسيمها إلى مناطق نفوذ، وقال «يمكن أن تظل هكذا لمدة عامين أو عشر سنوات».
وتساءل «هل سيحاول أن يأخذ أكثر من هذا؟ غير مسموح له أن يفعل ذلك في الوقت الحاضر. هذا أكبر من الأسد».
وتحاول الولايات المتحدة إدارة التوتر مع تركيا شريكتها في حلف شمال الأطلسي بسبب دعمها للأكراد، وهدف أنقرة الاساسي هو ضرب «قسد» التي تعتبرها امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يشن هجمات في تركيا، وهي بصدد توسيع نطاق المنطقة العازلة في منطقة عفرين الكردية حيث يبدو أن أولويات موسكو تختلف عن أولويات دمشق وطهران، وقد أعطت روسيا وواشنطن تركيا الضوء الأخضر للهجوم في حين أن طهران ودمشق قلقتان من نفوذ تركيا المتنامي.
ويمتد المجال التركي أيضا إلى محافظة إدلب لكن هذه المرة بموافقة كل من روسيا وإيران.
ويبدو أن إدلب ليست في قائمة أولويات الأسد. وقال القائد المؤيد للأسد إن الأمر متروك لتركيا للانتشار وفقا لاتفاقها مع إيران وروسيا و«إنهاء وجود تنظيم القاعدة مثل (جبهة) النصرة وغيرها» في إدلب.
وأضاف القائد «المشكلة مع تركيا في عفرين»، وأضاف «لن نقبل أن يتقدم الارهابيون.. ويحتلون عفرين» في إشارة إلى فصائل الجيش السوري الحر التي تقاتل الى جانب القوات التركية.