حالة من القلق إزاء تصاعد الموقف في المنطقة من سورية الى اليمن، واتجاه الإدارة الأميركية الى مزيد من التشدد في الشرق الأوسط بعد التغييرات الكبيرة التي أطاحت بالمعتدلين وأتت بالصقور والمتطرفين، وعودة «الحرب الباردة» بين روسيا والولايات المتحدة.
ويبدي سياسيون قلقا متزايدا ازاء هذا المنحى التصاعدي الذي إذا أنتج تأزما كبيرا أو إذا انفجر حربا في المنطقة، فإنه يضع لبنان في دائرة الخطر الأكيد والشديد.
التغييرات «الانقلابية» في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب هي التي عززت الاعتقاد أو الهاجس «الحربي» في المنطقة.
بعد إخراجه وزير الخارجية ريكس تيلرسون وإحلال مدير وكالة المخابرات المركزية مايك بومبيو محله، مع ما يعنيه ذلك من نقل المخابرات الى وزارة الخارجية وجعل الديبلوماسية مستندة الى معطيات ومعلومات استخباراتية، كما عين ترامب جون بولتون مستشارا للأمن القومي بدلا من هيربرت ماكماستر، وفي سياق توحيد النظرة والخطاب في السياسة الخارجية، ولا سيما في ملفات حساسة مثل التحدي الكوري الشمالي والاتفاق النووي الإيراني والتمدد الإيراني في المنطقة العربية والخليجية.
ومع بولتون «صقر الصقور» يكون معسكر التطرف قد اكتمل في واشنطن، ويكون ترامب شكل «حكومة حرب» يمكنه معها الذهاب بعيدا في تنفيذ أجندة أميركية خارجية متشددة تصل الى حد إعادة العمل بنظرية التدخل العسكري المباشر في مناطق حساسة أولاها الشرق الأوسط.
مستشار الأمن القومي منصب مهم، يرأس صاحبه جلسات القضايا المهمة بحضور وزراء مثل الخارجية والدفاع، ومكتبه في جناح الرئيس في البيت الأبيض، وهو الذي يقدم ملخصات القضايا للرئيس، وجون بولتون شخصية معروفة بمواقفها المتشددة وتمثل مدرسة تؤمن بأميركا قوية في وقت تصعد فيه روسيا والصين على حسابها، وصارت دول صغيرة مثل إيران وكوريا الشمالية تهدد أمنها ومصالحها وحلفاءها.
وبولتون مؤيد للموقف الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران الذي يعتبره «أسوأ صفقة في التاريخ» يجب التراجع عنها.
والانسحاب من الاتفاق سيكون إحدى أولى مهامه، ولكنه يذهب الى أبعد من ذلك بالدعوة الى تغيير النظام في إيران الذي يشكل الخطر الرئيسي على الأمن والسلام في الشرق الأوسط.
وبالفعل، فإن طهران تعتبر أن الأميركيين يتابعون مشروع الإطاحة بالنظام وفي إطاره تأتي خطوات مثل العقوبات ضد إيران والموقف السلبي من الاتفاق النووي وإثارة القضايا الصاروخية وحقوق الإنسان، ودور إيران الإقليمي، وتنظر طهران الى تعيين بومبيو وبولتون على أنه موجه مباشرة ضدها للقضاء على آخر أمل في إمكان إنقاذ الاتفاق النووي الذي يخطط ترامب للخروج منه لتجديد العقوبات على إيران.
ويقف بولتون ضد إيران بالكامل ومع إسرائيل في المطلق.
وقد حث مرارا الولايات المتحدة على مساعدة إسرائيل في قصف إيران أو ترك إسرائيل تفعل ذلك وحدها.
وتحدث عن ضرورة الرد على إيران عسكريا حتى في الفترة التي كانت إدارة أوباما تتفاوض مع إيران حول الاتفاق النووي.
وفي إسرائيل لاقى تعيين بولتون مستشارا للأمن القومي ترحيبا واسعا من قادة اليمين والحكومة الذين يعتبرونه صديقا حقيقيا لإسرائيل ومن أشد مناصريها في الولايات المتحدة.
ويشير هؤلاء بصوت خافت الى زيادة نفوذ القوى التي تتخذ مواقف حازمة ضد إيران، مما يعني زيادة أخطار حرب في المنطقة، ستكون إسرائيل طرفا فيها، حتى لو لم تبادر إلى المشاركة.
وتقول هذه المصادر انه سيكون على إسرائيل أن تبذل جهودا كبيرة لمواجهة خطر قصفها بالصواريخ الإيرانية، في حال نشوب الحرب.
وهذا يعني ضرورة إعداد الملاجئ وكل المرافق في الجبهة الداخلية.
وأكدت مصادر سياسية وعسكرية أن السياسيين اليمينيين الذين أصبحوا يحيطون بالرئيس ترمب، يؤيدون بغالبيتهم توجيه ضربة عسكرية لإيران، وأن طهران ستجد أهون وسيلة للانتقام بقصف إسرائيل.
التغيير الذي أحدثه الفريق الجديد في إدارة ترامب بالمقارنة بسياسة أوباما هو بالتأكيد الهاجس الإيراني ودور طهران الإقليمي.
ومن غير الواضح الى أين يذهب ويصل التصلب الاميركي تجاه إيران.
الحرب من حيث المبدأ مستبعدة بسبب توازن الرعب والكلفة الباهظة على الجميع.
ولكن احتمال الحرب موجود مع وضع ليس في مأمن عن اندلاع أي نزاع نتيجة حادث أو خطأ في التقدير، وخطوط حمر موجودة ولكن مشوشة، وميدان متفلت من «قواعد اللعبة» ولا يوجد فيه «حكم»، وخشية إسرائيلية تتعاظم من إيران وحزب الله، وعلاقات أميركية ـ روسية تتآكل وتتراجع ما يجعل التعاون والتفاهم بينهما صار صعبا حتى في سورية.