بعد استنفار عسكري حول سورية بلغ ذروته قبل يومين مع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"صواريخ ذكية ولطيفة"، أضفى ترامب غموضا وضبابية على الوضع وحول موعد تنفيذ تهديداته، وعاد للتغريد عبر "تويتر" مؤكدا أنه لم يتحدث قط عن موعد للهجوم، وقال: «قد يكون الهجوم قريبا جدا أو بعيدا».. فما الأسباب التي أدت الى هذا الغموض الذي قرأ فيه كثيرون «ترددا وتريثا»:
1ـ عملية الإعداد والتحضير لخطط التحرك العسكري المفترض ضد سورية تتطلب وضع اللمسات الأخيرة عليها واكتمال حركة قدوم الأسطول الحربي الى حوض المتوسط، يضاف الى ذلك استكمال العدة اللازمة لتبرير العملية العسكرية مع الحلفاء ومنع انزلاقها الى حرب واسعة النطاق.
2ـ وجود تباينات داخل إدارة ترامب بين الأمن القومي والپنتاغون حول حجم الضربة وأهدافها واليوم التالي لها (ما يليها).
3ـ الاتصالات الروسية مع واشنطن، خاصة الاتصالات التنسيقية بين الجيشين الأميركي والروسي «لتنظيم» الضربة ورسم إطارها، وهذه الاتصالات فعلت فعلها في التأثير على موقف واشنطن وفي اتجاه خفض سقف الضربة العسكرية ومنع تحولها الى سبب لاحتكاك أو اشتباك روسي ـ أميركي.
ثمة مفاوضات ديبلوماسية روسية ـ أميركية في الكواليس لتجنب ضربة أميركية مقابل ثمن روسي، وهذا الثمن الذي تطلبه واشنطن مثل ضمانة برحيل الأسد أو تعهد باحتواء نفوذ إيران وسحب الميليشيات الحليفة لها، من المشكوك به أن تدفعه روسيا التي تعتبر أن الخاسر هو الذي يدفع الأثمان وليس المنتصر.
4ـ الوساطة التركية التي يقوم بها الرئيس رجب طيب أردوغان بين دونالد ترامب وڤلاديمير بوتين. أردوغان مؤيد ضمنا للهجوم الأميركي ضد نظام الأسد وملتزم التحالف مع واشنطن في نطاق حلف الأطلسي، ولكنه لا يريد فك عملية التعاون والتنسيق مع روسيا، ولا يريد أن يتدهور الوضع بين بوتين وترامب، ما يشكل إحراجا شديدا له.
5ـ ارتباك في الجبهة الأوروبية الحليفة لواشنطن لا يصل الى حد التفكك، فرنسا منخرطة في الهجوم ولكن مع تحفظات وإيضاحات تطلبها، لأنها لا تريد أكثر من عملية تأديبية للنظام محصورة في أهدافها في شل قدرته على استخدام السلاح الكيماوي، من دون بلوغ حرب مع الإيرانيين والروس، وبريطانيا تتحجج بالحاجة الى إجازة من البرلمان للذهاب الى الحرب، فيما ألمانيا وإيطاليا قررتا عدم المشاركة إلا بطريقة رمزية وعبر مساهمات لوجستية.
6ـ وصول بعثة المحققين الدوليين في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية الى دمشق، في موازاة ترقب طلب روسي لعقد جلسة مناقشات طارئة لمجلس الأمن اليوم..
إسرائيل هي أكثر الدول اهتماما وقلقا ازاء التأخر الطارئ في تنفيذ الضربات الأميركية. ومع أن الأجواء المهيمنة على المؤسستين السياسية والإعلامية في تل أبيب ترجح حصول الهجوم الأميركي على سورية، لكن مازالت المخاوف من تراجع ترامب عن هذا الخيار تحضر لدى شخصيات تعكس قدرا من الأجواء العميقة السائدة، وهو ما عبر عنه الرئيس السابق لوحدة الابحاث في الاستخبارات العسكرية، ورئيس الهيئة الامنية والسياسية في وزارة الامن عاموس غلعاد الذي حذّر من الانعكاسات القاسية والدلالات الخطيرة لمثل هذا التراجع، فيما لو حصل.
ويغلب على تقدير المؤسستين السياسية والاعلامية في إسرائيل أن الهجوم الأميركي سيكون محدودا في نتائجه ومفاعيله. بل هو التقدير السائد أيضا في المجلس الوزاري المصغر، كما نقلت القناة العاشرة عن وزيرين من المجلس، قولهما «إذا حدث فسيكون موضعيا نسبيا، ولن يؤدي الى حادث كبير يجر إسرائيل إلى داخله». ومع أن هذا التوصيف ينطوي على قدر من الضبابية، لكن القدر المتيقن منه هو أن الهجوم ـ بحسب توصيف الوزيرين الإسرائيليين ـ لا يجسّد الحد الأدنى من طموح تل أبيب، ومصالحها الاستراتيجية.
لا تختلف كثيرا تداعيات الهجوم الرمزي ورسائله، مع أنه من حيث الشكل يمكن للولايات المتحدة أن تسجل أنها نفذت ما وعدت به. لكن صناع القرار السياسي والأمني، في تل أبيب، يدركون المعاني الكامنة في اختيار الولايات المتحدة لهذا المستوى من التدخل الذي قد يسهم في تهشيم صورة الولايات المتحدة أكثر من كونه يسهم في تعزيزها كقوة مهيمنة. ولن يطول الوقت حتى تصدر في تل أبيب الأصوات التي ستجاهر بأن هذه المحطة السورية بددت كل الرهانات على سياسات ترامب الاقليمية.