حصل تفاهم دولي إقليمي (روسي أميركي إسرائيلي أردني) على تسلم النظام السوري منطقة جنوب سورية الاستراتيجية، نظرا لموقعها الجغرافي الحدودي، التي تضم بشكل رئيسي محافظتي القنيطرة ودرعا. وتم التفاهم على انتشار قوات النظام من دون الدخول في عملية عسكرية، وعلى انسحاب الإيرانيين وحلفائهم من هذه المنطقة. والمعادلة التي تسود فحواها: القبول بالجيش النظامي السوري، والقبول ببقاء الرئيس بشار الأسد، مقابل إخراج القوات الإيرانية والتنظيمات التي تعمل معها.
هذه «التسوية» أطلقت سيلا من التكهنات والتحليلات التي صوبت في عدة اتجاهات: أولا في اتجاه دور روسيا الضامن لتطبيق هذه التسوية، وما إذا كانت قد نسقتها مع إيران أم تواطأت فيها مع إسرائيل، ومدى قدرة موسكو على التوفيق والمواءمة بين المصالح الإيرانية في سورية ومتطلبات الأمن الإسرائيلي. ثانيا، في اتجاه موقف النظام السوري وما إذا وافق على بقاء الوجود الأميركي العسكري على الحدود السورية مع العراق (التنف) مقابل تسلم «الجنوب»، ومدى قدرته على التوفيق بين إيران وروسيا، وما إذا الأسد في صدد تخطي إيران والعودة الى موقعه وسياسته قبل الحرب والى الجامعة العربية... وركزت ثالثا على مأزق إيران والتحديات التي تواجهها في دائرتين: الأولى مع روسيا نتيجة تصاعد التوتر الخفي وحساسية العلاقة... والثانية مع إسرائيل نتيجة انتشار إيران في الجنوب السوري واقترابها من الجولان.. وبالإجمال، فإن التركيز جار على تصوير أن هناك شرخا وشقاقا بين إيران وروسيا، وأن هناك انزعاجا إيرانيا من النظام السوري الذي ينسق مع موسكو، وأن إيران هي الخاسر من هذه التسوية التي تمت على حسابها وقررت إخراجها من الجنوب السوري لمصلحة النظام توطئة لخروجها عسكريا من كل سورية كما تشترط اسرائيل.
ردا على كل ذلك، تورد جهات سياسية في بيروت التوضيحات التالية:
1 - التسوية في جنوب سورية لا تزعج إيران ولا تضر بمصالحها ولا تعني انحسارا لنفوذها في سورية. فما يجري من تفاوض حول اتفاق في منطقتي درعا والقنيطرة لا يترك خيارات لمقاتلي المعارضة الذين عليهم أن يختاروا بين الانسحاب باتفاق أو الترحيل القسري بالقوة العسكرية على غرار ما جرى في الغوطة الشرقية. وإسرائيل تحاول أن تصور أنها، من خلال الضغط العسكري والسياسي، نجحت في إبعاد إيران وحزب الله عن الحدود في الجولان، ولكن في الواقع ما جرى يعني أن إسرائيل أقرت بأن «اللعبة انتهت» ولم يعد من مجال لرفض استعادة الجيش السوري لسيطرته على كامل المنطقة الجنوبية... أما الإيحاء بأن ثمة تنافسا ومزاحمة بين القوات الإيرانية والجيش السوري على من يتواجد في تلك المنطقة، فهذه مجرد «ترهات» لأن القوتين متواجدتان حيث يتطلب الأمر وجودهما. وإذا كان الجيش السوري قادرا بنفسه على حماية تلك المنطقة، فليس منطقيا بقاء القوات الحليفة لإيران. وبالتالي، فإن بسط الجيش السوري سيطرته على الجنوب وسقوط مشروع الشريط الحدودي «الآمن» لإسرائيل، يعد انتصارا للنظام... ومصالح إيران في تلك المنطقة لا تتأمن من خلال التواجد العسكري المباشر، وإنما من خلال استراتيجية المواجهة المشتركة على كل الجبهات. كما أن نفوذ إيران في سورية لا يمكن اختصاره بالقواعد العسكرية سواء القريبة من الجولان أو البعيدة عنها.
2 - مع تسجيل ارتباك وضبابية في التفسيرات والتصريحات الروسية حول مسألة انسحاب جميع القوات الأجنبية من سورية، فإن إيران تعاملت مع هذه التصريحات بحنكة وحكمة ورمت الكرة الى الملعب الروسي، وهي تدرك حجم الحاجة الروسية الميدانية لها في سورية، خصوصا أن بقاءها في سورية يجنب موسكو الوقوع في الفخ الأميركي الذي يخطط لاستدراجها في سورية ودفعها الى نشر جنودها على الأرض من أجل ملء الفراغ الإيراني في حال الانسحاب الذي تضغط في اتجاهه إسرائيل والولايات المتحدة.
3 - ما يقال عن لعبة جديدة بدأتها روسيا للانفراد بالمكاسب في سورية، وعن «خداع بوتين وخيانته لإيران ومحور المقاومة» عبر التقارب مع إسرائيل والولايات المتحدة، كلام لا يعتد به، لأن روسيا لا تتخلى عن إيران وليست مهتمة بكبح جماح إيران من أجل إسرائيل، ومشكلتها ليست مع إيران وإنما مع الولايات المتحدة، والروس مثل الإيرانيين يقرون بحدود قدراتهم ويسعون الى تجاوزها ويتكيفون معها من أجل بلوغ الهدف المشترك، وهو تعزيز النظام السوري.
إسرائيل ستصطدم مرة أخرى بعمق التحالف القائم بين روسيا وإيران الذي يتجاوز الساحة السورية ويتصل بمواجهة الهيمنة الأميركية في المنطقة أيضا وفي سورية. روسيا تعرف أنها ليس وحدها من حقق النصر وأن قوات إيران وحزب الله كان لها الدور المباشر في المحافظة على تفوق النظام السوري في الميدان... وإيران تعرف أن روسيا لم ترسل قواتها الى سورية من أجل إيران وإنما من أجل مصالحها القومية والإقليمية.
4 - يحاول الإسرائيلي أن يضغط على الطرف الروسي عبر التهويل والإيحاء بأنه يريد أن يضرب النظام السوري، بما يؤدي إلى انهياره وإسقاطه، وهو ما يشكل ضربة للاستراتيجية الروسية على الساحة السورية.
إيران ليست في وارد الانسحاب من سورية رغم كل الضغوط العسكرية والسياسية، وإنما هي عازمة على استرداد ما تكلفته من دم ومال، وعلى جني الثمار الاستراتيجية طويلة الأمد وبغرض إمدادتها على الأرض.