هدى العبود
أشار د.عبدالله الدردري نائب رئيس مجلس الوزراء
للشؤون الاقتصادية إلى أن سورية قد انطلقت باتجاه اقتصاد مبني على 5 أسس مركزية هي: اقتصاد كلي متوازن، واقتصاد جزئي تنافسي وفعال، وتنمية بشرية راسخة، ومنظومة بحث وتطوير وابتكار وطني، وبنية تحتية كفؤة تلبي احتياجات النمو الاقتصادي.
ويؤكد عبدالله الدردري المفكر الاقتصادي الأول في سورية، أن كل ما تم ذكره هو من أجل تحقيق هدفين ساميين: الأول، تأمين القاعدة الاقتصادية الاجتماعية. والثاني، تحقيق العيش الكريم للمواطن السوري، وهما أمران متلازمان ولا ينفصلان.
ويرى المفكر الاقتصادي الفرنسي جاك أتالي، في معرض حديث أجرته معه مجلة لوبوان في عددها الصادر بتاريخ 22 نوفمبر الماضي، أن عافية الاقتصاد مقرونة بالقدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود. وهما كمتلازمتين تتقدمان أو تتراجعان تبعا لمؤشرات نمو الاقتصاد أو ركوده. ويعزو أسباب تراجع القدرة الشرائية لدى المواطن الفرنسي، ليس فقط إلى ضبابية اليورو وتحليقه المتصاعد فوق سلة العملات العالمية، بل إلى تراجع القدرة التنافسية للاقتصاد المحلي على الساحة العالمية، واستمرار حالة الركود فيه منذ سنوات عديدة.
جاء ذلك قبيل التحضير لإعلان تقرير اللجنة الاقتصادية العليا التي تعمل على دراسة معوقات الاقتصاد الفرنسي وسبل إعادة إطلاقه من جديد. ويرى في هذا الصدد أيضا، أن الحلول الناجعة تكمن في إيجاد السبل الكفيلة بدفع هذا الاقتصاد كي يحقق نموا بنقطة واحدة على الأقل، بالتزامن مع الحد من الإنفاق العام للحكومة.
ويقول هذا المفكر الاقتصادي اليساري النزعة: أنا لست من أنصار ضخ المزيد من النقد في السوق الاستهلاكية، عن طريق زيادة الأجور مثلا. لأن المستفيد الأول منها ستكون الشركات الصينية، التي تغزو منتجاتها أسواقنا، مما سينعكس سلبا على الاقتصاد الوطني ويزيد من أعبائه، مشددا على مسألة ضخ المزيد من الأوكسجين في عصب الاقتصاد الوطني، ليحقق مؤشرات نمو فعلية، من شأنها أن تخفف من حدة عجز الموازنة العامة التي تجاوزت هذا العام عتبة الـ 200 مليار يورو.
هنا لابد من التوقف قليلا والتأمل في أطروحات رئيس مجلس إدارة بنك الإنماء الأوروبي سابقا، الذي ربط القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود بمؤشرات النمو حصرا، وعزا تراجعها وتذمر المواطنين منها إلى حالة الركود التي سيطرت على الاقتصاد الفرنسي طيلة الحقبة الشيراكية. ليخلص إلى نتيجة تقول ان إعادة العافية إلى محفظة المواطن، تكمن في تحقيق نقطة نمو واحدة في مؤشرات الناتج المحلي.
وفي ربط موضوعي بين تحليل هذا الخبير الاقتصادي ومجريات تطور اقتصادنا خصوصا في السنوات الثلاث الأخيرة التي ترافقت مع اتجاهنا نحو تجربة «اقتصاد السوق الاجتماعي»، نلحظ ثمة خلل، إما في متن نظرية هذا الخبير العالمي، أو في مقتضيات التطبيق العملي.
فإذا كانت مؤشرات نمو الناتج المحلي لدينا في صعود مطرد، بمعدل نقطة وأكثر كل عام، حيث كانت عام 2004 تشير إلى 4% حسب ما أكد الدردري، وتطورت عام 2006 لتبلغ 5.1%. ويتوقع أن تبلغ 6% للعام 2007. وأن مجموع استثمارات المغتربين من أصل سوري، القادمين من الولايات المتحدة، قد بلغت لوحدها نحو 9.2 مليارات دولار، أي ما يعادل الموازنة العامة المقررة لعام 2008، حسب تقرير نشرته صحيفة كريستيان ساينس مونيتور في عددها الصادر بتاريخ 16 ديسمبر الجاري ولن نتطرق لعام 2009. فمن أين أتى هذا العجز البليغ في الموازنة العامة. ولماذا لم تنعكس مؤشرات نمو الناتج المحلي المتصاعدة كل عام بشكل ايجابي على الشريحة الأكثر هشاشة في مجتمعنا، أي ذوي الدخل المحدود، التي أضحت تشعر بالخوف من هذه الأرقام، وترى في نظرية جاك أتالي مغالطة ومجافاة للواقع، لكونها ربطت تحسن القدرة الشرائية بتطور مؤشرات النمو في الاقتصاد الوطني. فهو إما أنه ينظر بعيدا عن الواقع العملي، أو أننا أصبحنا على أعتاب إنتاج نظرية جديدة في الاقتصاد العالمي تفيد بأن تطور معدلات النمو ليس مؤديا بالضرورة إلى تحسين حالة المواطن المعيشية هل تصدقون إن آخر ما يهم المسؤولين هم ذوو الدخل المحدود؟ ونحن «إلنا الله ما بينسانا».