تكتسب منطقة الجنوب السوري خصوصيتها من أهمية موقعها الجغرافي الحدودي مع إسرائيل والأردن، عدا عن قربها من العاصمة السورية، ولأنها منطقة استراتيجية كان من الطبيعي أن تكون «الهدف التالي» بعد «الغوطة الشرقية»، وأن يتحرك النظام السوري لاستعادة سيطرته عليها إما عن طريق القوة والحسم العسكري، وإما عن طريق التسوية و«الاستسلام» على غرار تسويات طبقت في محيط دمشق وريفها على قاعدة ترحيل الفصائل المسلحة الى إدلب.
ما حصل في الجنوب السوري، وانطلاقا من درعا، كان مزيجا من «الحسم والتسوية».
فمن جهة عملية عسكرية بدأها الجيش السوري في درعا ومن دون الإيرانيين والميليشيات التابعة لهم، ظاهريا على الأقل، وبغطاء جوي روسي.
ومن جهة ثانية تفاهمات روسية ـ أميركية قد يكون تم تكريسها في اجتماع موسكو بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ومستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي جون بولتون.
وفي حين كانت طائرات روسية تنخرط لأول مرة منذ عام في العمليات العسكرية في الجنوب، كانت واشنطن تبلغ فصائل المعارضة السورية الرئيسية ضرورة ألا تتوقع حصولها على دعم عسكري، وألا تبني قراراتها وحساباتها على افتراض أو توقع قيـــام الولايات المتحــــدة بتدخـــل عسكـــري.
وهذه التفاهمات الأقرب الى «صفقة» تعزز فرضية الانسحاب الأميركي الذي يستعجله ترامب من الشأن السوري بشقيه السياسي والعسكري.
وقبل صفقة الجنوب، كنا شهدنا صفقة أميركية ـ تركية في الشمال لسحب المقاتلين الأكراد من مدينة منبج الحدودية.
الأميركيون تخلوا عن «الجيش الحر» في الجنوب وعن الأكراد في الشمال، ويظهرون ميلا واضحا الى التخلص من التزاماتهم ازاء الفصائل العسكرية، أكرادا وعربا، شمالا وجنوبا.
اللقاء الروسي ـ الأميركي ربما يكون قد حسم التوافق على ترتيبات نهائية على خلفية التطورات الميدانية الجارية حاليا في المنطقة، خصوصا أن واشنطن أعلنت عدم نيتها التدخل عسكريا، ومن حيث المبدأ أبدت واشنطن موافقة على العناصر الأساسية المطلوبة لتثبيت الوضع في المنطقة، وبينها سحب القوات الإيرانية والحليفة لإيران من المنطقة، وفرض سيطرة النظام على المناطق الحدودية مع الأردن، وفتح الحدود (معبر نصيب).
والخطـــوط العريضـــة للاتفاق باتت واضحة نسبيـــا:
عودة الدولة السورية الى كامل مناطق الجنوب، وعودة الجيش السوري الى الحدود، وإقامة منطقة عازلة موازية لخط الهدنة في الجولان تكون منطقة خالية من القوات الموالية لإيران، وإعادة العمل باتفاقية الفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية لعام 1974، بما في ذلك إعادة نشر قوات الأمم المتحدة لمراقبـــة فـــك الاشتبـــاك.
القناعة التي باتت تسود قاعات التفاوض والدوائر الديبلوماسية تتلخص بالمعادلة التالية: القبول بالجيش النظامي السوري مقابل خروج القوات الإيرانية والتنظيمات التي تعمل معها.
ووفق هذه المعادلة، وافقت إسرائيل والولايات المتحدة على تقدم الجيش السوري والسيطرة على كل المنطقة الممتدة من درعا حتى خطوط الفصل، في مقابل عـــدم وجـــود ضباط إيرانيين وقـــوات لـ «حزب الله» على مسافـــة 20 كلم من الخطـــوط الإسرائيليـــة.
وهذه التسوية التي تتضمن بنودا كثيرة مثل الدور الروسي الضامن، عكست تراجعا إيرانيا تكتيا لاحتواء الحملة الأميركية الضاغطة التي ضيقت هامش المناورة لإيران في المرحلة الحالية، فارتضت التنازل عن بعض أوراقها في الجنوب السوري لمصلحة روسيا.
صحيح أن موسكو تريد أن ترث بعض أوراق قوة إيران في سورية، ولكنها تتمسك بقوة باستمرار نفوذ إيران ومصالحها داخل المعادلة السورية، بما يتوافق مع مصلحة روسيا ولعبة التوازنات التي تحسن إدارتها.