على رغم الأجواء الإيجابية التي شهدتها العلاقة مؤخرا بين دمشق و«الإدارة الكردية الذاتية» التي تسيطر عليها ميليشيات سورية الديموقراطية (قسد) في شرق سورية بعد عدة جولات من المحادثات، إلا أن تلك الأجواء سرعان ما تبددت لتحل محلها معطيات مفخخة كثيرة تجعل انفجار الوضع في الشرق السوري أمرا واردا. وتمر هذه العلاقة بمرحلة بالغة الحساسية، على خلفية اعتداء عناصر «الأسايش» (قوات الأمن الكردية) على دورية أمنية سورية قبل أيام. وعلى رغم حرص الطرفين على احتواء الوضع، فإن عوامل التأزيم مازالت حاضرة بما يتجاوز الأحداث الأمنية إلى مجمل تفاصيل ملف الشرق السوري. فمسار التفاهمات مني بضربة قاسية على خلفية تباطؤ «الأكراد» في تنفيذ بعض الاتفاقات الأولية البسيطة.
صحيح أن جزءا من الالتزامات نفذ (رفع العلم السوري في بعض الساحات، وإزالة بعض الرموز والشعارات الجهوية)، إلا أن الشق المتعلق بالمنشآت الغازية والنفطية لايزال معلقا، خصوصا مع توقف تدفق النفط من حقول الحسكة إلى بقية المحافظات. ولكن الأهم هو الموقف المتصلب الذي أظهرته «قسد» في شأن انتخابات «الإدارة المحلية» الأخيرة. وكان الموقف الأولي لهذه الإدارة، بحسب معلومات سورية رسمية، قد صب في خانة عدم عرقلة إجراء الانتخابات، وأن تقام انتخابات الإدارة المحلية في مناطق سيطرة الدولة السورية في الحد الأدنى، إلا أن «قسد» أرسلت إشارات سلبية في ما يتعلق بهذه الانتخابات، عبر القيام باعتقال عدد من المرشحين على رغم تعهدها بعدم التعرض للمرشحين أو الناخبين، وإغلاق عدد من المدارس الخاصة بذريعة عدم حصولها على التراخيص اللازمة، وقيامها بتدريس مناهج النظام.
واعتبرت مصادر حكومية سورية أن هذا السلوك يناقض كل الادعاءات بعدم وجود نوايا انفصالية، لأن مسألة المناهج التربوية أشد حساسية حتى من بعض المسائل العسكرية. وجاء تشكيل «المجلس العام للإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية» ليعزز نظرة دمشق إلى سلوكيات «الأكراد» الراهنة بوصفها خطوات انقلابية على ما تم التوصل إليه. في المقابل، يسود في الكواليس الكردية السورية خطاب مضاد يحمل النظام مسؤولية التوترات الأخيرة.
وتوجه أصابع الاتهام الى أميركا على خلفية إصرارها على عرقلة أي تقدم حقيقي على هذا الصعيد، وعلى دفع الأمور نحو الانفجار في شرق سورية، لاسيما أن استعدادات كثيرة تقوم بها روسيا وإيران تؤشر الى إمكانية انفجار الوضع في شرق سورية، أبرزها:
٭ محاولة للحصول على تنازلات من «قسد» والولايات المتحدة عن طريق التهديد بالتصعيد عسكريا في شرق سورية إذا فشلت المفاوضات. وقد اتخذت روسيا وإيران خطوات لتهيئة الظروف لهجوم محتمل على الولايات المتحدة وشركائها في شرق سورية. وتستعد للقيام بعمليات عبر النهر في محافظة دير الزور. وتولت الشرطة العسكرية الروسية السيطرة على جميع نقاط التفتيش الأمامية ونقاط العبور، على طول نهر الفرات في محافظة دير الزور. وقد سبق لها أن نشرت مهندسي قتال الجسور حتى دير الزور.
٭ توحيد هياكل القيادة والتحكم في شرق سورية، وتمارس روسيا وإيران سيطرة أكثر فعالية على القوات الموالية للنظام في شرق سورية، وتثبيت روسيا سيطرتها على معابر النهر يدعم هذه الجهود، فهذا التوطيد هو خطوة ضرورية قبل أي عملية قتال مقبلة ضد الولايات المتحدة و«قسد».
٭ مواصلة الجهود لزعزعة استقرار المناطق التي يسيطر عليها التحالف الأميركي و«قسد». وقد وزع الوكلاء الموالون للنظام منشورات تدعو المدنيين لمقاتلة القوات الأميركية و«قسد» في مدينة الرقة. وكان تقرير أمني أميركي حذر من أن القوات الموالية للنظام بدأت في التسلل إلى الأراضي التي تحت سيطرة «قسد».
٭ قيام القوات الموالية للنظام بتعديل انتشار وحداتها على الضفة الغربية لنهر الفرات في محافظة دير الزور في المناطق المجاورة لعمليات التطهير الجارية من قبل «قوات سورية الديموقراطية» ضد «داعش». وقد تكون زيادة انتشار القوات الموالية للنظام على طول وادي نهر الفرات، أو «قوات الحشد الشعبي» على طول الحدود السورية - العراقية، مؤشرا على هجوم وشيك ضد القوات الأميركية، أو «قوات سورية الديموقراطية».
وتأمل روسيا وإيران والأسد في إجبار «قسد» على إبرام صفقة معهم والابتعاد عن أميركا. ويسعى الأسد إلى صفقة تعيد إدماج هذه القوات بالدولة السورية. المفاوضات بين الطرفين متقطعة، وقد أكد الأسد أن نظامه لن يتردد في استخدام القوة إذا فشلت هذه المحادثات، لكنه رفض حتى الآن الوفاء بالشروط التي اقترحتها «الميليشيات الكردية». ولايزال الطرفان أمام باب مسدود في المفاوضات المتعلقة بالسيطرة على البنية التحتية.
الولايات المتحدة كانت أرسلت وفدا رفيع المستوى للقاء القبائل المحلية في المناطق التي تسيطر عليها «قسد» ، حيث جدد الوفد التزام أميركا بمواجهة كل من مقاتلي «داعش» وإيران في سورية. الزيارة هي انعكاس لمستوى المشاركة المحلية، وإشارة إلى أن الولايات المتحدة قررت الاحتفاظ بقوات في سورية. إن تأطير السياسة الأميركية في شرق سورية المناهضة لإيران تعكس على الأرجح بدء منع ترسخ إيران في محافظة دير الزور.