ما زال الغموض يحدق بحادثة إسقاط الطائرة الروسية فوق اللاذقية، رغم كثرة التصريحات والاتهامات من قبل موسكو، والردود الإسرائيلية عليها.
ومن الواضح جليا وجود حيثيات أخرى غير معلنة تمنع موسكو من التصريح بالحقائق الصادمة، بشأن إسقاط طائرتها قبالة الساحل السوري.
وزارة الدفاع الروسية حملت إسرائيل المسؤولية الكاملة لإسقاط الطائرة «إيل-20»، معتبرة أن تصرفات الطيارين الإسرائيليين تدل على عدم مهنيتهم أو على إهمال إجرامي.
وهنا، ينبغي وضع خطين عريضين تحت عبارة «إهمال إجرامي»، إذ لا يعقل عدم المهنية لدى طياري «إف 16» المتمرسين في فنون القتال الجوي وكانوا يغيرون على اهداف تابعة للحرس الثوري في اللاذقية، والذين ينفذون أوامر القيادة العسكرية التي تنفذ بدورها تعليمات القيادة السياسية.
ووفق الرواية الروسية، فإن قائد الطائرة «إيل-20» التي كانت تحلق فوق الشمال، تلقى تعليمات بمغادرة المنطقة فورا، والتوجه جنوبا للعودة إلى القاعدة، لكنه لم يجد الوقت الكافي لذلك لان اسرائيل ابغلت عن غاراتها بالتزامن مع بدئها وليس قبل.
المسكوت عنه بتصريحات موسكو
في الثامن من سبتمبر 2015، قال مسؤولون أميركيون: إن 4 صواريخ روسية عابرة للقارات من طراز «كروز - كاليبر»، كانت في طريقها الى سورية، سقطت داخل الأراضي الإيرانية.
ونفت موسكو، على لسان المتحدث باسم وزارة دفاعها، أن تكون الصواريخ الروسية سقطت في الأراضي الايرانية، مؤكدا أنها أصابت أهدافها في سورية.
لكن في اليوم التالي، ذكرت وكالة أنباء «إيرنا» الإيرانية الرسمية، استنادا إلى شهود عيان، أن «جسما طائرا» سقط في محافظة أذربيجان، شمال غربي البلاد، وانفجر وتناثرت شظاياه في المكان.
كما أكد إيرج ثقفي، قائم مقام مدينة تكاب بالمحافظة نفسها، سقوط الجسم الطائر في قرية قزقابان، على بعد 35 كيلومترا عن المدينة، قائلا: إن «الجسم الطائر انفجر بعد سقوطه، ما أدى إلى كسر زجاج نوافذ البيوت القريبة من مكان السقوط».
يومها، علق وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، على حادثة سقوط صواريخ روسية فوق إيران كانت في طريقها إلى سورية، بالقول: «لدينا بعض المؤشرات بأن هذا ما حدث، وإن كان بالفعل، فإنه يظهر أن خللا ما أصاب هذه الصواريخ، ولا أستطيع التصريح بأكثر من المعلومات المتوفرة لدينا حاليا».
وفي اليوم نفسه أيضا، كشف مسؤولون بوزارة الدفاع الأميركية (الپنتاغون)، أن ما لا يقل عن أربعة صواريخ من بين 24 صاروخا من طراز «كروز كاليبر»، أطلقت من على متن سفن حربية روسية في بحر قزوين، سقطت في إيران.
ولفت المسؤولون إلى أن ذلك يعتبر انتكاسة لهذه المنظومة الصاروخية التي تستخدم لأول مرة في عمليات قتالية.
وقيل عن مواصفات هذا الصاروخ ان سرعته التي تفوق سرعة الصوت بمقدار 2.6 مرة، مما يقلل من تعرضه للاعتراض والتدمير من قبل وسائل الدفاع الجوي الحديثة، ويزود هذا برأس راداري يوجه ذاتيا.
كما يمكن للصاروخ التعامل مع 30 هدفا في آن واحد، ويمتاز بنوعين من الرصد، والوضع النشط، ويمكنه رصد الأهداف من مسافة تقدر بين 35 إلى 250 كم، حسب موقع الرادار وحالة الطقس، والوضع السلبي، ويمكنه أيضا رصد الأهداف من مسافة تقدر بـ 450 إلى 600 كم.
وبناء عليه، فقد بدا أن إسقاط الصواريخ الأربعة التي تتمتع بكل هذه المزايا التكنولوجية، وفي الأراضي الايرانية تحديدا، جاء نتيجة تدخل أميركي وبمنزلة رسالة أميركية واضحة بأن موسكو لا تزال في بداية الطريق في مجال تكنولوجيا التصنيع الحربي الحديث المتطور، وأن واشنطن لن تتسامح مع المنافسين في هذا الميدان.
الأمر نفسه ربما ينطبق على حالة الطائرة الروسية «إيل-20» التي تم إسقاطها قبالة الساحل السوري، فهي لم تكن طائرة حربية عادية من ضمن الاسطول الجوي الروسي، وإنما طائرة مصممة لتكون كابينة قيادة عسكرية، تحمل مجموعة من كبار الضباط الروس الذين يقودون ويسيرون ويوجهون العمليات العسكرية من الجو.
والأرجح إذن أن موسكو كانت مضطرة لاتهام اسرائيل بإسقاط طائرتها، لأنها بكل بساطة لا تستطيع الإفصاح عن السبب الفني الحقيقي لسقوطها، ولا كيفية إسقاطها، ولهذا السبب وغيره، فهي لا تجرؤ على اتهام واشنطن تحاشيا للصدام معها.
ومع أن إسقاط الطائرة الروسية قد يكون الحدث الأبرز في هذا المجال، لكن يجب ألا ننسى بأن حماية قاعدة «حميميم» بسورية، باتت هاجسا يؤرق موسكو، حيث الهجمات غير الاعتيادية للطائرات المسيرة عن بعد «درون» ضدها تكاد لا تنقطع، كما أن اتهام روسيا للتنظيمات الارهابية لم يعد يقنع أحدا.
رسالتان أساسيتان من واشنطن لموسكو من خلال حادثة إسقاط طائرتها أمام الساحل السوري، الأولى تتعلق بالسباق في مجال تكنولوجيا التصنيع الحربي، والثانية كي تنأى بنفسها عن إيران حال استهدافها.
أما استهداف المواقع الإيرانية في سورية، فإنه سيستمر كما صرح وزير الدفاع الاسرائيلي (أفيغدور ليبرمان)، وليس الإسرائيليون وحدهم من يوجه تلك الضربات الحساسة المؤلمة.
وخلاصة القول ان ثمة جهود تبذل لدفع الإيرانيين لارتكاب حماقة ما.
ومهما تكن الجهة منفذة الهجوم على الحرس الثوري الايراني، فإن الحادثة تأتي في السياق ذاته، استفزاز إيران تمهيدا لتوجيه ضربة عسكرية ضدها.
كما أن واشنطن التي حشدت أساطيلها وأحدث أسلحتها في منطقة الشرق الأوسط، حيث هي المرة الأولى التي تشارك فيها طائرات F35 الأحدث، يبدو أنها لن تعود إلى مواقعها دون شن حرب محدودة أو واسعة النطاق.