يتراءى لكثيرين أن روسيا هي الرابح الأول في سورية، حيث تمسك بزمام المبادرة ومفاصل اللعبة، وحيث انتهت المعارك الكبرى وتراجع تدفق اللاجئين بصورة كبيرة، وحصرت الجماعات المسلحة ضمن مساحة ضيقة، ولكن لدى محللين آخرين نظرة أخرى خلاصتها أن سورية مشكلة كبرى تلوح في الأفق امام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في هذا المجال يقول احد الخبراء في شؤون الشرق الأوسط:
ما قد يبدو انه وضع فعلي قائم ومستقر للوهلة الأولى ربما يظهر في صورة مختلفة عند تدقيق النظر فيه، أولا: في الوقت الذي توقف القتال على الارض بصورة شبه كاملة، فإن الجماعات المعارضة للنظام بما فيها تلك المرتبطة بتنظيمي «داعش» و«القاعدة»، بدأت في التحول إلى أساليب كلاسيكية لتقويض الوضع القائم، كما أن هناك سخطا متزايدا في صفوف الرأي العام الروسي تجاه مشاركة موسكو في صراع يبدو بلا نهاية.
وفي الوقت الذي يتركز الاهتمام العالمي على 1800 سوري نصفهم تقريبا من المدنيين، قتلوا في غارات قصف روسية، يتركز الاهتمام داخل روسيا نفسها على 3000 فرد عسكري وفني روسي على الاقل قتلوا هناك.
الأسوأ من ذلك فإن ادعاء بوتين في فترة مبكرة من الحرب بأن تدخله في سورية سوف يوقف تدفق مسلمين مسلحين من المجتمع المسلم الروسي على مناطق الصراعات، ثم عودتهم الى الوطن، لم يتحقق على ارض الواقع. وطبقا لما ذكرته مصادر روسية، فإن آلاف المقاتلين من الجمهوريات الروسية ذات الأغلبية المسلمة، خاصة تتارستان وإنغوشيا والشيشان وداغستان، انتقلوا الى سورية عبر ايران او جورجيا وتركيا.
ايضا تؤثر سورية على خطط بوتين للتقارب مع الولايات المتحدة، لكن بشروطه هو، وطبقا لما ورد في تحليل صادر عن مجلس العلاقات الخارجية، فإن إدارة الرئيس دونالد ترام تنظر الى ايران، وليس روسيا، باعتبارها التهديد الأمني الأكبر في الشرق الأوسط.
وترى الإدارة ان روسيا مرنة نسبيا بخصوص النتائج في سورية وتشارك واشنطن عدم ارتياحها تجاه النفوذ الإيراني المتزايد هناك، ولاتزال الرؤية الاميركية قائمة على ان روسيا البديل الاقل ضررا بين حلفاء النظام السوري وتملك نفوذا كافيا للتأثير عليه اذا ما اختارت ذلك، ومع ذلك فإن واشنطن تستلزم من اجل الاستمرار في صياغة سياساتها بناء على هذا التحليل، ان تلتزم روسيا بالمطلب المحوري لترامب الخاص بطرد القوات الايرانية من سورية، ومن الواضح ان انتقال القوات الخاضعة لسيطرة ايران بعيدا عن الحدود مع اسرائيل ولبنان لم يرض واشنطن التي ترغب في رحيل كامل لهذه القوات عن سورية.
أما المشكلة، فهي انه رغم ان بوتين قد يفضل رؤية الإيرانيين خارج سورية فإنه بحاجة الى طهران لسببين، اولا ان ايران المصدر الاكبر للدعم المالي لنظام الاسد.
وتشير تقديرات ايرانية رسمية الى ان طهران تنفق اكثر من 6 مليارات دولار سنويا على رواتب افراد عسكريين ومدنيين في صف النظام وتقدم طهران اسهاما اهم يتمثل في القوات على الارض التي يحتاجها بوتين لتعزيز سيطرته على الملف السوري.
من جهته، ينظر بوتين الى توسيع نطاق المشاركة الدولية في سورية باعتبارها وسيلة لتخفيف الضغوط عن الموارد الروسية، ويعني ذلك عقد مؤتمر دولي للدول المانحة لصياغة خطة لإعادة الاعمار لسورية التي مزقتها الحرب.
ومع ذلك، ثمة عقبة كبرى في طريق بناء مثل هذا التحالف تحت قيادة روسية، وذلك لأن الأوروبيين يطالبون بمحو الرئيس الاسد من الحياة السياسية السورية في إطار جدول زمني معقول قبل اعلان اي تعهدات مالية، وهذا ما اكدت عليه رسائل عدة وجهتها دول اوروبا وأميركا للأمم المتحدة تشترط عملية سياسية وانتقال كامل للسلطة قبل البدء بأي عملية اعمار.
ونظرا لإدراكه ان مكاسبه الواضحة في سورية من الممكن ان تتحول بسهولة الى خسائر كبرى، يقف بوتين في مواجهة خيارات صعبة في سورية.