تنتهي سيدرا من غسل الأواني في وعاء كبير، ثم تجلس على الأرض لكتابة أرقام تعلمتها حديثا في غرفة صغيرة تعيش فيها مع والدها الكفيف في قبو في مدينة الباب في شمال سورية.
إلى جانب سيدرا (11 عاما) ووالدها، تعيش نحو 40 عائلة في غرف أبوابها عبارة عن ستائر قماش وسقفها من نايلون في قبو تحول منزلا لنازحين فروا من القصف والمعارك وغير قادرين على تحمل تكاليف الإيجار.
تلخص سيدرا، التي تغطي شعرها بحجاب أسود اللون، الحياة في القبو بالقول «هل هذه بحياة؟ غرفة واحدة هي المطبخ والحمام وغرفة النوم»، وتبدي حسرة على منزلها السابق حيث كان المطبخ وحده بحجم الغرفة التي تعيش فيها حاليا.
فقدت سيدرا والدتها وشقيقها بقصف على مدينة الرقة التي كانت عائلتها نزحت إليها من مدينة دير الزور قبل سنوات.
فرت الطفلة ووالدها من الرقة قبل أكثر من عام هربا من المعارك والقصف قبل أن تطرد قوات سوريا الديموقراطية «قسد» تنظيم داعش منها.
وفي القبو، تقضي سيدرا يومها في الاهتمام بوالدها محمد علي حسن، كما انضمت قبل أيام قليلة إلى أطفال آخرين للدراسة لدى إحدى النساء في القبو.
وتقول الفتاة السمراء، التي تفتخر بمهارتها في الطبخ، «أضع الفرش، ارتب الغرفة، أساعد والدي على التحرك، أصنع له الشاي والفطور، وبعد الدرس أحضر الغذاء، نأكل ثم أذهب والعب وأنظر إلى الشمس. أعود وأنام».
لا تستطيع سيدرا أن تلتحق بمدرسة خارج القبو فهي بحاجة لأن تبقى إلى جانب والدها، وتقول «بدأت قبل أيام، وأتعلم الحروف. كل فترة أخرج (من الدرس) واطمئن على والدي وأعود لأكمل».
لسيدرا أحلام بسيطة: العودة إلى البيت، اللعب، مشاهدة التلفاز، وعدم انقطاع المياه والكهرباء.
تساعد سيدرا والدها على خلع معطفه، تجلس إلى جانب الرجل، الذي طغى الشيب على ذقنه وشعره، تحت حبال الغسيل في الغرفة. ويقول الوالد (53 عاما): «الحياة في القبو صعبة جدا، لا نستطيع أن نغسل، نحتاج 10 أيام لنتمكن من غسل» الثياب.
يحلم حسن بالعودة إلى مدينته، ويقول: «اذا تحسنت الأوضاع فسأعود إلى دير الزور، تعذبت كثيرا هنا».
في العام 2017، تحول القبو الفارغ في مدينة الباب إلى ملجأ للنازحين السوريين.
ويروي أبو عبدالرحمن (59 عاما)، نازح من دير الزور وأحد أصحاب مبادرة تحويل القبو إلى «مضافة لأهالي دير الزور»، «حين وصلنا إلى مدينة الباب، كانت الناس ينامون في الشوارع والحدائق والمساجد».
تبرع أحد سكان مدينة الباب بالقبو الذي تبلغ مساحته ألف متر مربع، وجرى تقسيمه إلى 42 غرفة، يوجد فيه حمامات مشتركة لا تتوافر فيها المياه الساخنة، فتفضل العائلات الاستحمام في غرفها.
مر على القبو نحو 500 شخص خلال عام، أما اليوم فلا تزال هناك 40 عائلة لم تجد مأوى لها، ففضلت البقاء رغم صعوبات المعيشة فيه.
ويقول عبدالرحمن إن العائلات المتبقية: «لم تجد مكانا آخر تلجأ إليه، فأصغر بيت حاليا يبلغ إيجاره نحو 10 دولارات، وكل من بقي هنا عاجز عن تأمين هذا المبلغ شهريا. الجميع هنا وضعهم مأسوي».
يعيش أبوعمر مع زوجته وابنته منذ 10 أشهر في هذا القبو، ويعاني من بتر في يده اليسرى، وإصابة بالغة في رجله اليسرى إثر تعرض منزله في مدينة دير الزور لغارة جوية.
لم يجلس أبو عمر في القبو مكتوف اليدين، بل قرر، قبل 8 أشهر البدء بتعليم أصول الكتابة والقراءة كما القرآن إلى أطفال القبو.
بدأ الأمر بـ 21 طالبا، لكن العدد تراجع إلى 13 بسبب اضطرار بعضهم إلى الخروج والعمل للمساعدة في إعالة عائلاتهم.
ويقول الشاب، الذي تبرع بالمهمة مجانا ويعيش بدوره على المساعدات: «الظروف الاجتماعية المحيطة بالطلاب هنا تجبر أهلهم على وقفهم عن الدراسة».
في القبو، يلعب الأطفال بين الغرف التي علقت بينها حبال الغسيل.
أما أم محمد (23 عاما) فتضع طفلتها في حضنها وموقد الغاز أمامها قبل أن تبدأ بتحضير الطعام.
توفي زوج أم غسق متأثرا بجروح كان أصيب بها جراء قذيفة استهدفت البوكمال قبل أن تنزح العائلة إلى مدينة الباب حيث «الأمان والاستقرار».
وتقول الشابة المنقبة «لم يكن لدينا أموال لعلاجه»، وتختصر حالها اليوم «نأكل اذا ساعدنا أحد، ولا نأكل اذا لم يساعدنا أحد». وتضيف: «أعيش على المساعدات، كسائر سكان هذا القبو».