- الصمت الروسي على استهداف حزب الله دليل على وجود تشققات في العلاقة مع إيران
- العلاقة بين إيران وتركيا تهتز ولا تقع.. والحزب يسعى لتأكيد حضوره في كل الجغرافيا السوري
معركة إدلب الكبرى تحولت الى ما يشبه «معركة إقليمية» وأعادت «تدويل» الأزمة السورية.
فالأمر لم يعد متعلقا بمسار العلاقة بين فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان وألغازها، وإنما دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الخط حائرا بينهما، وعاد الأوروبيون للاهتمام بالملف السوري وهم في حالة ذعر بعدما فتح اردوغان ابواب اللجوء.
هذه المعركة الدائرة بين الجيشين التركي والسوري أصابت حزب الله «وأخذته في طريقها».
إنها المواجهة الأولى والمباشرة بين الأتراك وحزب الله، وانها أثقل خسارة يتلقاها الحزب في يوم واحد على الأرض السورية منذ سنوات، وأعلن الحزب عن سقوط أكثر من عشرة شهداء في صفوفه ونحو 15 جريحا حالة بعضهم حرجة.
كيف تطور الوضع الى هذه المواجهة؟! وكيف سيتطور بعدها؟!
بعد الهجوم الذي أطلقه الجيش السوري مدعوما من روسيا باتجاه إدلب وأحرز تقدما سريعا وسيطر على سراقب الاستراتيجية وعلى الطريق الدولية التي تربط حلب ودمشق، أظهر اردوغان عنادا شديدا في التمسك بإدلب وفي الرد على هذا الهجوم لتأهيل وضعه الداخلي المترنح شعبيا، ولأنه يعرف أن خسارته لإدلب ستفقده تدريجا المناطق الكردية التي سيطر عليها في عفرين وجرابلس.
أما تثبيت وضعه في إدلب، فإنه سيحمل بوتين على القبول بقواعد لعبة جديدة معه ومن دون أن تتأثر العلاقة بينهما.
أصر اردوغان على انسحاب الجيش السوري من المناطق التي دخلها وأمهل دمشق مهلة 20 يوما تنتهي مع نهاية فبراير، إذ إنه كان يحتاج الى وقت لتحضير معركته سياسيا وعسكريا ولوجستيا.
لم ينتظر اردوغان نهاية المهلة، وإنما عمد الى رفع درجة ومستوى دعمه للفصائل المسلحة التي نجحت في استعادة مدينة سراقب الاستراتيجية على الطريق الدولي بين حماه وحلب.
وجاء الرد السوري على سقوط سراقب باستهداف مباشر للجيش التركي عبر غارة جوية في بلدة مليار في ريف إدلب أدت الى مقتل أكثر من ثلاثين جنديا تركيا، بينما كان الجيش السوري يتقدم نحو سهل الغاب والطريق الدولي حلب ـ اللاذقية M4 قبل ان يشن الجيش السوري هجوما مضادا ويستعيد أجزاء منها.
معركة طلحية
بعد هذه الغارة، بدأت حملة تركية للرد على هذه الضربة التي لم يحتملها اردوغان، وشن الجيش التركي حملة قصف واسعة ومكثفة أدت الى مقتل العشرات من القوات العاملة تحت القيادة الإيرانية في سورية، وبينهم عناصر من حزب الله.
والسؤال الذي تبادر فورا الى الأذهان: لماذا بادر الجيش التركي إلى استهداف مجموعة حزب الله رغم أن الحزب كان يتمنع في السابق عن تنفيذ أي استهداف عسكري يطال الأتراك؟
القصة بدأت حين باغت مقاتلو المعارضة قوات الجيش السوري وحزب الله عبر افتتاح جبهة على محور بلدة طلحية الواقعة في أقصى ريف حلب.
على ما يؤكد أكثر من مصدر ميداني، هدفت العملية إلى نقل الاشتباكات من إدلب إلى نقاط أخرى بغاية التشكيك والاستنزاف أولا، وثانيا كان واضحا توافر نية لدى الجيش التركي بإتاحة الفرصة للفصائل من أجل معاودة الدخول إلى الحدود الادارية لمحافظة حلب.
تقول الرواية، أن إحدى مجموعات حزب الله كانت تتواجد داخل مبنى على أحد محاور طليحة، وقد جرى رصدها من قبل مسيرة تركية بادرت إلى قصف الموقع بعدة صواريخ مما أسفر عن سقوط المقاتلين بين قتيل وجريح.
ومع حصول هذا التطور الخطير، سادت خشية من تطور المعركة باتجاه دخول حزب الله والإيرانيين على خط مواجهة الجيش التركي بشكل مباشر، ما يعني تحويل المعركة إلى إقليمية، خاصة أن تموضعاتهما كانت غير بعيدة من أماكن وجود القوات التركية.
اتصالات إيرانية - تركية
سريعا، بدأت الاتصالات لتدارك ما سيحصل. وأجرى الرئيس الإيراني اتصالا بنظيره التركي للأمر ذاته. ويقال ان الاتصال الهاتفي بين الرجلين تناول هذا القصف تحديدا وعمليات أخرى مشابهة تعرضت لها الوحدات العسكرية المدعومة من إيران ضمن محاور إدلب، لكن المؤكد أن إيران غير معنية بأي تصعيد يسفر عن توسيع رقعة المعركة عبر دخولها القتال بشكل مباشر.
وهذا الجو، أوحى إليه بيان المركز الاستشاري الإيراني في سورية، وهو المركز الذي يمثل المستشارين العسكريين الايرانيين، حين لفت عناية الأتراك إلى أن النقاط العسكرية التركية موجودة في مرمى قواته لكنها تتجنب الرد على مصادر النيران التركية وتبادر عبر وسطاء إلى التفاهم مع الأتراك وهذا حصل وتكرر لأكثر من مرة، ما يؤكد غياب نية الدخول بمعركة مع الجانب التركي.
وكان لافتا أن البيان الإيراني يصدر للمرة الأولى عن هذه الجهة، وقد صدر في أعقاب الاستهداف التركي لحزب الله، ما يدل على عظمة ما جرى ودقته.
هذه الواقعة الدموية بين حزب الله والأتراك سلطت الضوء على الأمور التالية:
1 ـ دور حزب الله ووجوده العسكري في سورية الذي عاد الى الواجهة مجددا.. فمنذ فترة، يشارك حزب الله في المعارك العسكرية الدائرة في ريفي إدلب وحلب. وإلى جانب الغاية العسكرية المتمثلة بالعودة إلى بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين، واشتغال الحزب (ومن خلفه الإيرانيين) على إعادة أهالي البلدتين إليهما، هناك أهداف سياسية لقتال الحزب في تلك المنطقة، منها تأكيد حضوره على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية، وليس منحصرا فقط في منطقة دمشق وريفها والحدود اللبنانية السورية.
رسائل حزب الله
يريد حزب الله من خلال معاركه الجديدة أن ينقض كل التقارير التي تحدثت سابقا عن انسحاب عناصره، وهو الذي يؤكد دوما أنه سيكون حيث يجب أن يكون، تبريرا لهذا لاستمرار وجوده العسكري هناك، على الرغم من كل الضغوط والضربات التي يتعرض لها من قبل الأميركيين والإسرائيليين، ويقول انه لا يزال مستمرا في مهمته ومعاركه، وليس في وارد الانسحاب حاليا، مع أنه أجرى الكثير من عمليات إعادة التموضع في سورية، وسحب العديد من فرقه ومقاتليه إلى لبنان لأسباب واعتبارات عديدة، منها تجنب المزيد من الضربات الإسرائيلية، ومنها تخفيف الأعباء المالية والاقتصادية وإراحة كوادره العسكرية.
المعارضة التركية تسأل ماذا يفعل اردوغان في إدلب، ومعارضو حزب الله في لبنان يسألون: ماذا يفعل حزب الله في إدلب؟ ولماذا يقاتل الجيش التركي؟
2 ـ العلاقة بين تركيا وإيران التي تهتز ولكن من دون أن تقع.. فتركيا تريد من خلال هذه الضربة توجيه رسالة إلى الإيرانيين مغزاها أن تركيا لن تسكت ولا تخضع لهذا الاختناق الذي تتعرض له من قبل الحلفاء والخصوم.
ولكن أنقرة تعتبر بأن هناك مستوى رفيعا من التواصل مع الإيرانيين، وثمة مراعاة دائمة بين الطرفين، لاسيما التسليف التركي لإيران في الكثير من الملفات، خصوصا في ظل العقوبات القاسية التي تتعرض لها طهران.
لذلك، فإن تركيا أوضحت لإيران أن ما حدث كان عن طريق الخطأ، وأن الضربات وجهت ضد الجيش السوري ولم تكن تركيا تعرف أن هناك تواجدا لمجموعات حزب الله.
3 ـ الرسالة التركية غير المباشرة الى الولايات المتحدة وحلفائها، ذلك أن تركيا تعمل على إظهار قدرتها في مواجهة حلفاء إيران في سورية، وخصوصا حزب الله، ربما من أجل استدراج الدعم الأميركي الجدي للأتراك في عملياتهم العسكرية في الشمال السوري، لاسيما أن واشنطن لا تترك فرصة إلا وتؤكد فيها سعيها إلى تحجيم النفوذ الإيراني في سورية، ومن ضمنه حزب الله الذي تصنفه منظمة إرهابية.
4 ـ موقع وموقف روسيا في هذه المعركة التي أخذت فيها تركيا وضعية الهجوم الذي طال الجيش السوري وحلفاءه. فمن الواضح أن اردوغان تمرد على اللعبة التي يديرها بوتين في سورية ولم يتقبل هجوم الجيش السوري وأن تصله جثث الجنود الأتراك والضربة الموجعة التي يعرف جيدا أنها ما كانت لتسدد الى قواته إلا بمشاركة روسية أو مباركة على الأقل.. ولكنه يتجنب اتهام روسيا مباشرة.
وثمة وجه آخر للمشكلة بين روسيا وإيران، فإذا لم تكن موسكو راضية على الضربة التركية ضد حزب الله، فإنها لم تفعل شيئا لمنع حدوثها ولم تحرك ساكنا ولم تعلق بعد حدوثها، وما حدث هو أحدث دليل الى وجود تشققات في العلاقة بين إيران وروسيا، وشيء من النفور والتباين.