دأبت روسيا في الآونة الأخيرة على تمرير انتقاداتها ومآخذها على النظام السوري، وكان آخرها ما صدر عقب المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية السوري وليد المعلم بشأن «قانون قيصر».
وإذ تجاهلت موسكو الغارات الإسرائيلية الأخيرة على مواقع في 3 محافظات سورية، فإنها أظهرت اهتماما بتصريحات المعلم التي لم يصدر تعليق رسمي عليها، ولكن ما تسرب عبر المواقع والوسائل الإعلامية كان كافيا لتبيان استياء من هذه التصريحات التي تؤكد انفصال المسؤولين السوريين عن الواقع، من خلال تجاهل ما يجري على الأرضي والمعاناة المتواصلة للسوريين والتركيز بشكل مفتعل على المؤامرات الخارجية المحاكة ضد سورية، وتجاهل الحكومة السورية تردي الأوضاع المعيشية، حتى قبل دخول «قانون قيصر» حيز التنفيذ، في محاولة لتحميل القانون كل تبعات الأخطاء السياسية والاقتصادية في البلاد.
ويعكس كلام المحللين والخبراء الروس وجود قناعة بأن النظام بات عاجزا عن تغيير سلوكه وأدائه ومواجهة المشكلات الجديدة التي تتعرض لها سورية حاليا، وبأن المشكلة الرئيسية تكمن في عدم قدرة موسكو على فصل دمشق عن طهران، مع ما ينعكس من جراء ذلك على آليات التعامل مع الملفات المختلفة المطروحة حاليا.
الانتقادات الروسية كانت ارتفعت وتيرتها ودرجتها في الفترة الأخيرة وازدادت وضوحا، وسلطت الضوء على أمرين أساسيين:
٭ الوضع الاقتصادي المتداعي في سورية، في ظل الفساد وغياب الإصلاحات وجهاز إداري بيروقراطي، وعدم توافر ظروف الشراكة الاستراتيجية الاقتصادية بين دمشق وموسكو، وحجم الإحباط داخل مجتمع رجال الأعمال في روسيا من الفشل في دخول الاقتصاد السوري.
٭ «عدم المرونة» من ناحية الرئيس بشار الأسد الذي لا يقدم تنازلات سياسية رمزية على الأقل، ومازال يراهن على الحل العسكري لاستعادة السيطرة على كامل سورية، بما لا يتناسب مع قدرات النظام الاقتصادية ولا مع توجهات موسكو ولا مع الوضع على الأرض، خصوصا في شمال سورية حيث تركيا والأكراد. كما يستمر في اللجوء الى المناورة بين روسيا وإيران واللعب على التناقضات والمصالح لتخفيف الضغط عليه من الجهتين.
هذه الإشارات الروسية كانت محط أنظار واهتمامات الأوروبيين والأميركيين.
ففي أوروبا، ثمة انطباع أن روسيا تعبت من الأسد وتبحث عن شخصية أخرى، وأن إيران غارقة في مشاكلها الاقتصادية، وأن هناك ضغوطا فعلية على النظام عبر العقوبات الدولية والإجراءات الأميركية الأكثر صرامة، والتي تستهدف بشكل خاص الدائرة الداخلية للرئيس السوري. والنتيجة أن الأسد الآن في مشكلة وليست لديه حلول، ثم انه لا يعرف ما مصيره.
وفي الولايات المتحدة، ثمة اعتقاد لدى مسؤولين أميركيين أن عقوبات «قانون قيصر» ربما تكون «القشة» التي تقصم ظهر النظام وتجبره على قبول التغيير. وأن «عقوبات قيصر» ستزيد الضغوط على كاهل الاقتصاد السوري وتوسع هوة الا
نقسامات داخل النظام وتدفعه الى حافة الانهيار.
ولكن هناك آراء أميركية مخالفة، ومنها على سبيل المثال، رأي روبرت فورد، آخر سفير أميركي في سورية، الذي يعتبر أن النظام السوري مازال موحدا ومتماسكا وهو مصمم على نحو يجعل مسألة وقوع انقلاب عسكري أمرا أقرب الى المستحيل، كما أنه ليس من بديل واضح للأسد. ولا يتوقع فورد أن تثمر «عقوبات قيصر» حلا قريبا، وإنما ستجلب مزيدا من المعاناة للشعب السوري، وسيكون رجال الأعمال في مأزق لأنهم إذا ظلوا مع النظام سيقعون تحت طائلة
«قانون قيصر»، وإذا تخلوا عن الأسد فسيفقدون أملاكهم وأعمالهم، كما حصل مع رامي مخلوف، وستصبح سورية أكثر عزلة من أي وقت مضى، وستصبح شبيهة لكوريا الشمالية أو فنزويلا التي تعاني من سوء التغذية والجوع. ومن الممكن أن تحصل اقاليم خاضعة للسيطرة التركية والكردية على استقلال ذاتي إذا افتقرت الحكومة السورية للقدرة الاقتصادية والعسكرية لفرض إعادة دمج هذه الأقاليم داخل كيان الدولة السورية الموحدة.
يبقى أن هناك انطباعا موجودا على نطاق واسع عند النخب الأميركية والأوروبية بأن التغيير في نهج موسكو وفي نظرتها الى الأسد لا يعني الانقلاب عليه، وإنما يعكس قناعة لدى موسكو بأن عليها أن تتحرك لوضع الأسد أمام استحقاقات إبقائه ضمن خطوط وضوابط. موسكو تكتفي بإرسال إشارات قوية للقيادة السورية، ولكن لا يمكنها التخلي عن الاسد لأنه لا يوجد حليف آخر مناسب لها حتى الآن. وفي هذه الخانة يضع البعض الاتصالات التي تجري مع شخصيات محسوبة على المعارضة بين حين وآخر.
وإذا كان هناك من تغيير بعض قواعد التعاطي الروسي مع الوضع في سورية، هذا لا يعني أن الكرملين اتخذ القرار بالتحول عن الأسد وإنما يدخل في إطار مراجعة التجربة السابقة كلها وتبني مسار لدفع التسوية السياسية التي صارت روسيا بحاجة إليها وترغب في انطلاقها للخروج من الدائرة المغلقة التي تدور فيها الأزمة السورية. هذا الاعتقاد يفيد بأن الأسد باق حتى الانتخابات على أقل تقدير.