Note: English translation is not 100% accurate
كونوا معنا
وزير المال والحق العام السوري
6 مارس 2010
المصدر : الأنباء
إذا كان النظام المالي المعقد في أوروبا قد قطع أشواطا بعيدة المدى في مستوى الشفافية العالمي، فمرد ذلك إلى إحكام منظومة متكاملة من التعاملات المالية المنضبطة تحت رقابة الدولة، وتحت طائلة إنزال عقوبات مروعة في قسوتها لكل من تراوده نفسه يوما في اختلاس مبلغ مهما كان متواضعا من الحق العام. وليس قطعا إلى تمتع أفراد تلك البلدان بأخلاقيات من المواطنة المثالية، كما تروج الدعاية الغربية عن نفسها، بحيث تجعلهم يهرعون طوعا إلى تنظيم وتسديد كشوفات القيمة المضافة الـ «تي في إيه» التي حصلوها كل ثلاثة شهور. كذلك الأمر بالنسبة لكشوفات أرباحهم الفعلية التي ينظمونها بأنفسهم، وعلى مسؤولية صاحب أو مدير المنشأة، نهاية كل عام.
نظامهم المالي المتعاضد مع النظام المصرفي، الذي يحظر إجراء أي عملية بيع أو شراء مهما كانت متواضعة، إلا بموجب تسديد عن طريق حساب جار في أحد المصارف المعتمدة، وبموجب فاتورة تشير إلى قيمة ضريبة الإنفاق الاستهلاكي، لا يسمح بالمحصلة النهائية بأي تجاوزات من شأنها إحداث إرباكات غير متوقعة عند إعداد الموازنة العامة للدولة، كما حصل لموازنتنا هذا العام، التي شهدت عجزا في الإنفاق الجاري بنحو ثلاثمائة مليار ليرة سورية.
فلو أخذنا واردات الموازنة العامة للدولة الفرنسية كنموذج لدول الاتحاد الأوروبي، لوجدنا أنها قد بلغت في حينها 353 مليار يورو، منها 163 مليار يورو واردات تم تحصيلها فقط من قيمة الإنفاق الاستهلاكي. T. V. A.
كلنا يعرف أن الآلية المتخلفة، المتبعة حتى الآن في تقدير الضرائب والرسوم المفروضة على الانشطة الاقتصادية عندنا، تمنح الموظف المقرر حرية كبيرة في تدخل العامل الشخصي «النفعي» يكون فيه الخاسر الأكبر في النتيجة هو الحق العام.
أعرف تاجرا، وهو ليس الوحيد قطعا، يسدد منذ عشرات السنين وعلى مضض، مبلغا ثابتا لا يزيد كثيرا عما يفرض على أي موظف من الفئة الأولى، رغم أن حجم أعماله السنوي يقارب الخمسين مليون ليرة. هذه الآلية التي ارتكزت، عبر عشرات السنين، على ضمير الموظف المهني، تقف وراء السبب في هدر حق الدولة من حجم لا يستهان به من الواردات المربحة لموازنتها، وفي إشاعة وتعميم الفساد الإداري بكل أوجهه.
من هنا تتضح لنا عدم جدوى الهيئة العامة للضرائب والرسوم التي نجح وزير المالية باستصدار قانون إحداثها مؤخرا، وكأنها هي من «سيخرج الزير من البير» كما يقال، وهي التي ستعيد المليارات الضائعة من حق الدولة، مادامت ستعمل بالآليات التقليدية المتبعة، وهي بالتالي لن تكون أكثر من مجرد جيش جديد من الموظفين، يزيد من أعباء الإنفاق الحكومي دون أن يقدم إضافة مهمة لسلة الواردات.
سنوات ونحن ننتقل بين البلديات لإبرام عقود ايجار البيوت التي نسكنها، دائما بقيمة لا تقل عن 5000 ل. س. نزولا عند رغبة المالك، الذي لا يرى أي حق للدولة فيما يتقاضاه نقدا. ومنذ أيام بيعت شقة سكنية في دمشق بمبلغ 28 مليون ليرة، وتقاضى مالكها المبلغ كاملا ضمن كيس نايلون من الرزم النقدية، لكنها دونت في سجلات البيوع الرسمية بأقل من عشر المبلغ المقبوض.
هل بوسع المدير العام الجديد للهيئة المحدثة للضرائب والرسوم أن يرشدنا إلى آلية ضبط هذه التجاوزات المجحفة بالحق العام، التي تحصل كل يوم بالعشرات والمئات على امتداد مساحة الوطن؟
كان يكفي وزارة المالية أن ترفق إجراءاتها الجديدة، بإلزام كل الفعاليات الاقتصادية بأتمتة حساباتها المالية أولا، وتسديد أجور العاملين لديها حصرا عن طريق التحويل إلى حساب مصرفي خاص بكل عامل لديها، بغية الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما، تحظر إجراء أي مناقلة مالية، تجارية كانت أم عملية بيع متداولة بين الأفراد، إلا عن طريق المصارف. حينذاك لن تحتاج الوزارة إلى مزيد من الهيئات وجيوش الموظفين لمراقبة التعاملات المالية التي تجري، لأنها ستكون أكثر شفافية، عندما تتم عبر المصارف حصرا. والحق يقال إن وزير المالية السوري وزير نظيف ونقي ويحفظ أموال وطنه بكل أمانة ولكن: سيادة الوزير إن ما يسجل أثناء البيع والشراء كذب وافتراء بناء على رغبة التاجر صاحب الملايين التي لا تنتهي جراء تلاعبه في السوق وخاصة سوق العقار يصب في جيب التاجر الذي لا يشبع ولن يشبع مادمتم لن توقفوه عند حد ووفق قانون يسري على الجميع؟
هدى العبود