شفيق طبارة
يعدّ البولندي كريستوف كيشلوفسكي من ذلك النوع من المخرجين الذين تأخذك أعمالهم إلى ما وراء الحواس؛ فهي قائمة على الرمزية والاستعارة بشكل مشوّق. باختصار يمكننا القول بأن السينما الخاصة به تتميز بأنها تتحدى باستمرار تفكير الإنسان ومشاعره، وتترك المشاهد تائهًا في البحث عن أجوبة، ليصل أخيرًا إلى نتيجة ذاتية من أعماق ذاته. كيشلوفسكي مخرج يتمتع بإستقلال فكري، مما يسمح له بصنع نوعه الخاص في السينما المعروفة بـ "سينما المؤلف"، أي تلك التي تقدم رؤية المخرج الذاتية، إذ يكون المخرج هو نفسه المؤلف، وهي سينما النخبة المثقفة المبنية على البحث والتفكير والتي تعالج صعوبات يومية متعددة وتطرح التساؤلات.
"سينما الاضطرابات الأخلاقية"، تحت هذا العنوان صُنّفت أعمال كيسلوفسكي السينمائية في بولندا في السبعينيات إلى جانب العديد من المخرجين البولنديين الذين شكّلوا حراكًا "سينمائيًا" دعا الى إيقاظ الوعي الاجتماعي. هذا النوع من السينما لعب دورًا جامعًا بين السياسة والفن والاجتماع، كما سعى إلى تصوير الفساد والمحسوبيات والمشاكل داخل منظومة السلطة الشيوعية، مما شكل نقلة نوعية في سينما تلك الحقبة، التي كانت في جلّها أداة دعائية للنظام الشيوعي. بتعبير آخر اتخذ كيشلوفسكي من السينما وسيلة للبحث عن النفس، فمنذ بداية حياته المهنية في إنتاج الأفلام الوثائقية، قدّم في معظم أعماله معالجة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية في بلاده من خلال تركيزه على حالة الانسان، عواطفه، مبادئه، احتياجاته ومخاوفه.
لمع نجم كيشلوفسكي في أوروبا، بعد إنتاجه سلسلة "الوصايا العشر"، وهي مجموعة من الأفلام عرضت على شاشة التلفزيون البولندي في أواخر الثمانينات. شكّلت هذه السلسلة في بدايتها مشروع سياسي لكن بعد خضوعها إلى العديد من التغييرات اتخذت قالبًا اجتماعيًا ببعد فلسفي فكان العمل بشكل النهائي يقدّم حكايات تحمل في طياتها مواضيع شائكة، كالخيانة والموت والصداقة والقتل. وبالرغم من الإنطباعات الدينية التي حملتها "الوصايا العشر" إلا أنها شكلت زاوية جديدة لمقاربة أخلاقية وفلسفية لعشر قصص تطرح الوصايا العشر في التراث اليهودي والمسيحي.
أما في فيلمه "حياة فيرونيكا المزدوجة"، الحائز على جائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين في مهرجان كانّ عام 1991، قدّم عملًا يقوم على فن التعامل مع الألوان، فربط العلاقات من خلال الألوان والمشاعر الإنسانية. ثم أنتج بعد ذلك بعام "ثلاثية الالوان"، فكانت ثلاثية مبنية على ألوان العلم الفرنسي والتي ترمز إلى المبادئ الثلاثة الاساسية للثورة الفرنسية: الحرية (الازرق)، المساواة(الابيض)، الاخوة(الاحمر).
كل أعمال كيشلوفسكي تتميز بطابعها الخاص، ولكن "الإنسانية" تطغى على كل شيء لتكون ثيمة أفلامه؛ فتجد أعماله مترابطة مع بعضها البعض، من خلال التركيز على عناصر معينة ودقيقة تكوّن مزيجا مثاليا.
ابتدع كيشلوفسكي نوعه الفني الخاص على مدار الأربعين سنة الماضية، وعرض من خلال أعماله سينما الطبيعة الذاتية المليئة بالتأمل والنضالات، وابتكر تجارب سينمائية فريدة سواء على المستوى الجمالي أو الفكري، بالإضافة الى مجموعة أعماله التي ساهمت في تحديد هوية السينما البولندية.
لا يمكن حصر كيشلوفسكي في سياق واحد. فهو مخرج، فيلسوف، حكيم، شاعر، مبتكر، وملحن بصري كبير. إنه من السينمائيين النادرين الذين يتقنون فنّ التحكم بالمشاعر، وبرشاقة ينقل المشاهد من حالة عاطفية إلى أخرى بدون إدّعاء.
مع كيشلوفسكي قد لا يشعر المشاهد بالسعادة العارمة أو الحزن العميق حين يتناول قصائده المليئة بالصوروالتشبيهات، لكنّه بالتأكيد عند الإنتهاء من الفيلم لن يكون المشاهد في الحالة النفسية والجسدية ذاتها، لأنه سيتفاعل بشكل أكبر مع النص.
بعد إعلان اعتزاله عام 1994 عاد كيشلوفسكي إلى العمل السينمائي وبدأ بكتابة ثلاثية جديدة إلا أن الموت خطفه عام 1996 قبل الانتهاء منها. رحل الرجل على أثر نوبة قلبية مخلّفًا وراءه أفلامًا ليست فقط لمحبي السينما، بل لأي شخص مهتم بالفلسفة ودراسة حالة الإنسان وكينونته، فالثراء المعرفي الذي تمتع به كيشلوفسكي خلق لديه أرضية صلبة وشخصية تحاكي الروح البشرية من أعماق أسرارها بربطها مع بيئتها القاتمة والحزينة.