Note: English translation is not 100% accurate
بعد رفع نسبته إلى ربع إيرادات الميزانية العامة
زيادة استقطاع صندوق «الأجيال القادمة» مرهونة باستمرارية دوران عجلة التنمية
18 نوفمبر 2012
المصدر : الأنباء

محمد البدري
جاء قرار الحكومة برفع نسبة الاستقطاع من الإيرادات العامة لحساب صندوق احتياطي الأجيال القادمة من 10 إلى 25%، بدءا من الميزانية العامة لعام 2012/2013، ليمس موضعا جوهريا فيما يتعلق بالإنفاق العام للدولة واستراتيجيتها التنموية للأجيال الحاضرة والمقبلة.
فالقرار الحكومي يعكس إدراكا ووعيا كبيرا بالمخاوف من تأثر مدخرات الأجيال القادمة ومن ارتفاع معدلات التضخم الراهنة والمستقبلية على الصعيد العالمي، كما يكشف عن محاولة جادة لاستدراك الأداء الهزيل لبرنامج تنفيذ الخطة التنموية للبلاد، ويستشف من هذه الخطوة ايضا مؤشرا قويا يتمثل في طغيان معدلات الانفاق الاستهلاكي على نظيره الاستثماري على نحو ما يكشف عنه تضخم الباب الأول من الميزانية العامة للدولة والناجم عن الزيادات الهائلة في المصروفات الجارية كالرواتب والأجور والدعم.
في ضوء ذلك، اثار خبيران اقتصاديان استطلعت «الأنباء» أراءهما عدة تساؤلات حول قرار رفع نسبة الاستقطاع لصالح صندوق احتياطي الأجيال القادمة، منها على سبيل المثال لا الحصر: هل نسبة الزيادة الجديدة في الاستقطاع 25% سوف تكون كافية في ضوء المعطيات الاقتصادية والمالية المحلية والخارجية؟ وهل ستكون الكويت بحاجة لزيادة هذه النسبة بشكل دوري؟ وإلى اي مدى ستؤثر هذه الزيادة على تنفيذ برامج خطة التنمية؟ وما التأثيرات المحتملة للزيادة في الاستقطاع على الميزانية العامة والاتفاق العام للدولة؟ وأي نوعية من الاستثمارات ينبغي أن توجه إليها الزيادة الجديدة بحيث تخدم برامج التنمية من جهة، وتضاعف من قيمة مدخرات الأجيال القادمة من جهة أخرى؟
الاستقطاع والتنمية
بداية، رأى خبير اقتصادي ـ فضل عدم ذكر اسمه ـ أن الفلسفة الحاكمة لتأسيس صندوق الأجيال القادمة تستوجب الربط بين نسبة الاستقطاع وكل من الانفاق العام بميزانية الدولة وخطة التنمية، مبينا أن نسبة الاستقطاع القديمة والبالغة 10% كانت كافية للحفاظ على القيمة الحقيقية لمدخرات اجيال المستقبل، لأنه ـ كما كان طوال الثمانينيات وحتى النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي ـ كان يتم استثمار هذه النسبة وغيرها من ايرادات الدولة في مشاريع تنموية طويلة المدى والأثر سواء كانت استثمارات خارجية، او محلية (بنية تحتية، تعليم، صحة.. إلخ)، وبالتالي كان هناك مخزون أصول متين مستقر من جهة، ويدر أموالا بصفة مستمرة من جهة اخرى، فكانت نسبة الـ 10% تعزز عوائد برامج التنمية في الميزانية العامة للدولة. وكان ذلك يتم في أجواء من الاستقرار والتعاون فيما بين الحكومة ومجلس الأمة مما وفر مناخا ممتازا لسن تشريعات تخدم عملية التنمية، وتساهم في تنفيذ برامجها على أرض الواقع دون معوقات.
وأضاف قائلا: «منذ النصف الثاني من التسعينيات ـ حيث سادت أجواء التوتر في الحياة السياسية الكويتية ـ لم تعد الـ 10% كافية لحفظ حقوق الاجيال القادمة، إذ تضاءلت التشريعات الاقتصادية، ولم يعد هناك رافد تنموي قوي، بل وتفشت النزعات الاستهلاكية، وطغى الانفاق التجاري على نظيره الاستثماري».
ومن هنا، جاء قرار الحكومة صائبا بشأن رفع نسبة الاستقطاع إلى 25% من الايرادات العامة للدولة، وسوف تظل الحاجة ملحة لرفع هذه النسبة بشكل دوري مادام الانجاز التنموي باقيا على حاله المتردي الحالي، ذلك أن نسبة الاستقطاع بحد ذاتها ليست ذات أهمية بل أهميتها تنبع من ربطها بما يتم استثماره في مشاريع التنمية وما تدره الأخيرة من عوائد.
فوائد مشروطة
من جهة أخرى، رأى أحد خبراء المالية العامة أن رفع نسبة الاستقطاع لصندوق الاجيال القادمة إلى 25% سوف يحقق مزايا تشغيلية جمة على مستوى الاقتصاد الوطني لاسيما فيما يتعلق بتحسين كفاءة الانفاق العام، ووقف الهدر في ايرادات الميزانية العامة، مستدركا بأن تحقيق هذه المزايا مشروط بأن يتم توجيه مدخرات الأجيال القادمة نحو استثمارات تنموية محلية بالأساس نظرا للمخاطر الجسيمة التي أصبحت تحيط بالاستثمار في الخارج، ناهيك عن القيود المتعلقة بصعوبة تسييل الأصول المدارة بالخارج، والخسائر الهائلة التي يمكن ان تتكبدها الدولة في حال تم تسييل هذه الأصول بقيم سوقية أدنى بكثير من قيمتها الحقيقية. وفي هذا السياق، أوضح الخبير ذاته أن ثمة مبررات تفسر قرار الحكومة برفع نسبة الاستقطاع لصندوق الأجيال القادمة، اهمها: التنفيذ البطيء لخطة التنمية اذ لم يتعد الأمر تنفيذ الخطط التشغيلية السنوية للوزارات، وإرهاق ميزانية الدولة واستنزاف المصروفات العامة لاسيما في ضوء تضخم بند الرواتب والأجور مع إقرار كم هائل في السنوات الأخيرة من الكوادر المالية غير المبررة، فقد بلغ حجم الميزانية للعام المالي الحالي 21 مليار دينار وهو رقم كبير للغاية، الأمر الذي دفع مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي الى اطلاق تحذير من احتمال عدم مقدرة الكويت على الوفاء مستقبلا بالتزاماتها المالية في بند المصروفات اذا استمر الحال على ما هو عليه. يضاف إلى ما سبق، المخاوف من عدم استمرار اسعار النفط عند مستوياتها المرتفعة الحالية خاصة في ضوء العوامل الجيواستراتيجية، التكنولوجية ذات الصلة ببدائل الطاقة المتجددة.
وفي ضوء ذلك، يتفق الخبراء على ضرورة ضخ الاستقطاعات الجديدة المخصصة لصندوق الاجيال القادمة في استثمارات تنموية محلية خاصة أن هناك مشاريع ضخمة يمكن ان تحقق عوائد طويلة الأجل مثل مشروع طريق الحرير، لافتين إلى أنه قد حان الوقت لتفعيل هذا النمط من الاستثمارات وتشجيع القطاع الخاص الكويتي، بما يحقق فوائد استراتيجية على أكثر من صعيد: فمن ناحية أولى يفعل برامج خطة التنمية المعطلة، ويوفر عوائد مالية يعاد تخصيصها ثم استثمارها لصالح الاجيال القادمة. ومن ناحية ثانية، يساهم في تحقيق الرغبة السامية لصاحب السمو الأمير في تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري عالمي واقليمي.
ومن ناحية ثالثة، فإن ضخ مدخرات «الاجيال القادمة» ستحمي المال العام من مخاطر الاستثمارات الخارجية خاصة بالنظر الى أن تداعيات الأزمة العالمية مازالت موجودة، بل وهناك مؤشرات على ازمة قادمة، فضلا عن صعوبة ومحاذير تسييل الأصول المستثمرة بالخارج.
فلسفة وآلية عمل صندوق احتياطي الأجيال القادمة
وفقا لمرسوم تأسيس صندوق احتياطي الأجيال القادمة الصادر عام 1976 تم فتح حساب خاص لإنشاء احتياطي بديل للثروة النفطية مكون من 50% من رصيد الاحتياطي العام للدولة في سنة الأساس يمول سنويا عن طريق استقطاع 10% من الايرادات العامة للدولة، اعتبارا من السنة المالية (1976 ـ 1977). ويعاد استثمار عوائد تلك الأموال في حساب الاحتياطي من خلال الهيئة العامة للاستثمار التي تقوم نيابة عن الدولة باستثماره في شتى المشاريع الاقتصادية الداخلية والخارجية.
وبالتالي، يعتبر احتياطي الأجيال القادمة المصدر الأساسي الذي تعتمد عليه الدولة في تغطية أي أزمة اقتصادية تمر بها البلاد، لحين تصحيح الهيكل الاقتصادي للدولة.