في إدارات الشركات، هناك ذلك النوع الذي يتصرف بنفس المنطق الذي يدفع مريضا مصابا بمرض خطير إلى أن يخبر طبيبه: «لا أستطيع تحمل كلفة العملية الجراحية، فهلا قبلت مبلغا صغيرا لتعديل الأشعة السينية لتظهر وكأنه لا شيء هناك».
على لسان المستثمر الأميركي الشهير وارن بافيت، جاءت العبارة السابقة ضمن خطابه السنوي لمساهمي شركته «بيركشاير هاثاواي» في عام 1991، والذي حرص فيه كعادته على تثقيف الحضور من المهتمين بفن الاستثمار، حيث قال هذه الكلمات في معرض حديثه حول الإدارات «عديمة الضمير» التي تستخدم الخدع المالية لإخفاء الحقائق غير السارة عن المستثمرين.
يشبه بافيت حال هذه الشركات، بحال المريض الذي يعاني من مرض خطير كشفت عنه صور الأشعة السينية، ولكن بدلا من قبوله لتشخيص الطبيب لحالته الصحية المتدهورة ومحاولة التعامل معه، يفضل المريض تجاهل هذه الحقيقة تماما وإبعادها عن ناظريه ليطلب من طبيبه أن يقوم ببساطة بتعديل صور الأشعة السينية، ظنا أنه بذلك أنهى المشكلة.
ولذلك، من الضروري أن يفهم المستثمر أنه هو نفسه خط الدفاع الأول وربما الوحيد ويتصرف على هذا الأساس.
باختصار، من مصلحتك كمستثمر أن تجتهد في دراسة وفحص والبيانات المالية للشركة التي تحمل سهمها ضمن محفظتك، وأن تنظر دائما إلى كل بند من بنودها بحثا عما قد يثير الشك.
وتأكد أن الشركة المتلاعبة مهما بلغت حرفيتها في إخفاء مصائبها ستترك دائما ثغرة لا يكتشفها إلا من يدقق ويحاول البحث عن إجابات منطقية لكل ما هو مريب، كما في المثال الذين سنستعرضه معا في هذا التقرير.
ماذا تفعل لو كنت مديرا لشركة مدرجة في البورصة بدأت أعمالها تتدهور فجأة وترغب في إخفاء ذلك عن المستثمرين؟ أغلبكم ربما ليست لديه فكرة، ولكن في عام 2010 وجدت شركة الإلكترونيات اليابانية «أولفاك» حلا ذكيا لهذه المعضلة، ولكنه انطوى على خدعة محاسبية شيطانية.
فما قامت به «أولفاك»، ببساطة هو تغير طريقة اعترافها بإيراداتها في بياناتها المالية من طريقة «العقد المنجز»، إلى طريقة «نسبة الإتمام أو الإنجاز»، والتي تسمح للشركة بإثبات الإيرادات المترتبة على العقود طويلة الأجل على أساس نسبة تكاليف ما تم إنجازه خلال تلك الفترة إلى إجمالي التكاليف التقديرية اللازمة لإنجاز تلك العقود، وذلك على عكس الطريقة الأولى التي لا تسمح بتسجيل الإيرادات إلا بعد إكمال العقد.
المثير للاهتمام هو أن شركة المراجعة المسؤولة عن تدقيق بيانات «أولفاك» لم تقف كثيرا عند التغيير المفاجئ الذي شهدته السياسة المحاسبية للشركة، وقبلت التفسيرات غير المقنعة من قبل الشركة اليابانية لسبب إقدامها على هذا الإجراء، ووافقت على صدور البيانات المالية للشركة بهذا الشكل.
أما الجزء الأكثر إثارة للدهشة والسخرية في هذه القصة فهو أن «أولفاك» اليابانية أشارت في ركن الإيضاحات أسفل بياناتها المالية لعام 2010 إلى أنه وفق سياسة الاعتراف بالإيرادات التي كانت تتبعها دائما فإن المبيعات تراجعت بنسبة 21% في عام 2010 وسجلت خسارة صافية!
ولكن لم ينتبه أحد لهذه المعلومة والتي جاءت في سطر واحد تقريبا وسط عشرات السطور الموجودة في جزء الإيضاحات الممل عادة والذي نادرا ما ينتبه إليه المستثمر، وظل العنوان الرئيسي الذي يتداول ويستثمر على أساسه السوق: «أولفاك» حققت في 2010 أداء استثنائيا مسجلة ريمونتادا قوية من عام 2009 الصعب.
قد يشتكي المستثمر من أن العنوان السابق مضلل وغير حقيقي، وهو كذلك فعلا، ولكن في هذه الحالة تحديدا كانت هذه هي مسؤولية المستثمرين وليست مسؤولية الشركة التي أعفت نفسها بخبث حين ذكرت الحقيقة في الإيضاحات، وهذا هو سبب عدم مواجهتها لأي تبعات أو مشاكل قانونية. ولكن في النهاية يبقى السؤال: هل يحمي السوق المغفلين؟