قررت وكالة مؤسسة ستاندرد آند بورز تغيير النظرة المستقبلية «Outlook» للتصنيف الائتماني للكويت من نظرة «مستقرة» إلى نظرة «سلبية،» وهذا القرار كان مسبوقا بتخفيض التصنيف الائتماني للكويت بشهر مارس 2020 من تصنيف AA إلى AA- مما دفع الكثير الى توجيه أصابع الاتهام الى جهات مختلفة، ولكن واقع الحال أن هذا القرار غير مستغرب أبدا، فأغلب تقارير مؤسسات التقييم الائتماني تصنف الكويت كإحدى الدول ذات التقييمات العالية بسبب السيولة العالية في الاحتياطي العام وصندوق الأجيال القادمة اللذين يشكلان صمام أمان للكويت، خصوصا صندوق الاحتياطي العام بسبب كونه الوسيلة الرئيسية التي تستخدمها الكويت لتمويل عجوزات الميزانية، فمن الطبيعي إعادة النظر بالتصنيف السيادي والنظرة المستقبلية للبلاد عند اقتراب نفاد سيولة الاحتياطي العام.
من المهم توضيح ما المقصود بالتقييم السيادي أو الائتماني للقارئ والفرق بينه وبين النظرة المستقبلية للتقييم، فالتقييم الائتماني هو أحد العوامل الرئيسية التي تساعد الجهات المقرضة لتحديد سعر الفائدة على الدول أو المؤسسات التي تنوي أن تقترض، فكلما زاد التصنيف الائتماني للمؤسسة أو الدولة، دل ذلك على استقرار وقوة المؤسسة من الناحية المالية مما سيساعد في زيادة ثقة المستثمر أو المقرض فيها، بالتالي سيترجم إلى تقليل تكلفة الاقتراض وتقليل سعر الفائدة على الدولة، ولهذا دائما ما تطمح الحكومات والمؤسسات الى الحصول على تقييم ائتماني مرتفع، خصوصا إذا كان البلد يستخدم وسيلة الاستدانة والدين العام بشكل مستمر.
أما النظرة المستقبلية وهي رأي المؤسسة من توقعها لاستمرارية التقييم الحالي للمؤسسة أو الدولة على المدى الطويل فالنظرة المستقبلية السلبية تعني أنه من المتوقع أن يتم تخفيض التقييم الحالي على المدى الطويل، والجهات العالمية الأشهر المسؤولة عن تقييم المؤسسات والدول هي 3 مؤسسات، «ستاندرد آند بورز» و«مووديز» و«فيتش»، ولكل مؤسسة منها معادلة سرية لتقييم المؤسسات والدول لا نعرف كل تفاصيلها لأنها غير معلنة.
فنعود للسؤال الرئيسي، هل من المستغرب أن يتم تغيير النظرة المستقبلية للتصنيف السيادي الكويتي؟ والجواب بكل اختصار «لا»، فأغلب تقارير المؤسسات المسؤولة عن التقييم الائتماني الكويتي كانت توضح أن الكويت تعاني من مشاكل مالية كثيرة وأكبرها اعتماد البلد بشكل شبه كلي على مصدر دخل واحد وهو النفط مما يعرضها للخطر في أي لحظة ينخفض أو يتذبذب فيها سعر برميل النفط، وكان الجانب الإيجابي الوحيد تقريبا في كل التقارير هو وجود سيولة عالية في صندوقي الاحتياطي العام والأجيال القادمة، مما يعطي نوعا من الثقة لهذه المؤسسات بأنه من الصعب على دولة مثل الكويت التي تملك هذه الملاءة المالية ألا تلتزم بدفع التزامات ديونها للمقرضين.
ولكن حينما ترى هذه المؤسسات المقيمة أن العجوزات الحقيقية المستمرة في ميزانية الكويت إلى يومنا هذا قد استنزفت أغلب السيولة المتوافرة في صندوق الاحتياطي العام الذي يعتبر الوسيلة التي تعتمد عليها الكويت لسد عجوزاتها، وتأخر الكويت بتطبيق أي نوع من الإصلاحات الحقيقية في الميزانية العامة للدولة إلى يومنا هذا، فمن الطبيعي ستعيد هذه المؤسسات دراسة الوضع المالي والاقتصادي للكويت، فالتصنيف السيادي العالي كان بسبب السيولة العالية وهذه السيولة لم تحسن إدارتها وقد بدأت بالانخفاض بشكل ملحوظ، وإذا استمرت الكويت اليوم في تأخير موضوع الإصلاحات الاقتصادية فقد يتم تخفيض التقييم الائتماني للكويت وليس مجرد تغيير الرؤية المستقبلية، خصوصا أننا مقبلون على أحد العجوزات التاريخية بسبب أزمة كورونا وانخفاض سعر النفط.
وهذا ما يدفعنا لتكرار ما كنا نردده بالسابق، يجب على الحكومة العمل على إصلاحات هيكلية حقيقية في الميزانية العامة والعمل على تقليل الهدر ومكافحة الفساد بشكل جدي للمساهمة في تقليل العجوزات المالية المستمرة بشكل مباشر، فوضع ميزانية الكويت اليوم بعيد كل البعد عن الاستدامة المالية، مما قد يهدد مستوى المعيشة للأجيال القادمة، ويؤكد أهمية تعاون السلطتين التنفيذية والتشريعية والتعامل مع هذا الملف بشكل حكيم وبنظرة طويلة الأمد، والابتعاد عن الطرح العاطفي، فمصلحة الكويت على المدى الطويل ومصلحة أجياله القادمة أولى من أي مصلحة أخرى.
*دكتوراه بإدارة الميزانيات الحكومية والمالية العامة - كلية العلوم الإدارية - جامعة الكويت - @Balgharabally