Note: English translation is not 100% accurate
تحليل اقتصادي
أوروبا.. وإفرازات أزمة اليورو: بوادر ملموسة للانتعاش الاقتصادي في أميركا واليابان.. ومحدودة في القارة العجوز
14 مايو 2013
المصدر : الأنباء
أثارت أزمة اليورو مزيدا من التحديات للوحدة الأوروبية. صارت الانقسامات عميقة بين دول منطقة اليورو وتلك التي خارجها، وصارت الدول المدينة رهينة الدول الدائنة.
وفيما تحاول ألمانيا إبقاء اليونان في منطقة اليورو، تفعل ذلك خوفا من انتقال العدوى داخل المنطقة، وحفاظا على مصالحها القومية، لا انطلاقا من مفهوم التكامل والتضامن الأوروبي.
وتظهر الاستطلاعات أزمة ثقة متزايدة في أوروبا، مع تزايد الفجوة بين صناع القرار على المستويين الوطني والأوروبي من جهة والرأي العام من جهة أخرى.
لم يكن المشروع الأوروبي يوما نهرا ساكنا، ولكنه نجح غالبا في تجاوز أزماته بفضل مزيد من التقدم في اتجاه تضامن أكبر بين شعوبه، ولكن الأزمات الأخيرة، لاسيما الاقتصادية منها شدت عصب القوميات داخل الدول وعمقت الشكوك على مستوى الاتحاد.
حاليا تنمو عمليتان متناقضتان تماما في أوروبا. فمن جهة يتزايد الاندماج على مستوى المؤسسات، كالاتحاد المصرفي مثلا، ومن جهة أخرى يعاد تأمين رقعة مهمة جدا في المجتمع، هي المشاعر وهو ما يتجلى بوضوح في صعود التيارات اليمينية المناهضة لأوروبا.
كثيرة هي الدلائل على أزمة ثقة ومشاكل خطيرة تنذر بتقويض المشروع الطموح، بيد أن أوروبا التي ساهمت في تحقيق السلام والاستقرار في أراضيها، وحملت رسالة التنمية والحريات وحقوق الإنسان حول العالم، لم تستسلم، ولا تزال تكافح.انطلاقا من:
1 ـ إمكاناتها الاقتصادية والبشرية الواسعة و«قوتها الناعمة» للحفاظ على البناء الأوروبي وحفظ دوره الى جانب القوى العظمى في رسم معالم المستقبل.
2 ـ الاتحاد الأوروبي ليس الاقتصاد الأكبر حول العالم فحسب، إلا أنه لا يزال يتمتع بثاني أكبر موازنة دفاعية بعد الولايات المتحدة مع 66 ألف جندي منتشرين حول العالم و57 ألف ديبلوماسي. ولا يزال الناتج المحلي الإجمالي للفرد من حيث القدرة الشرائية 4 أضعاف نظيره في الصين، و3 أضعاف للبرازيل و9 أضعاف تقريبا للهند. فإذا كانت أوروبا في أزمة، لا يزال العيش فيها أفضل منه في قوة ناشئة.
3 ـ أوروبا لا تقصر كما يرى مدير المجلس الأوروبي مارك ليونارد. فعنده أنه لا قوة أخرى، فيما عدا الولايات المتحدة، كان لها هذا التأثير على العالم في السنوات العشرين الأخيرة.
فمنذ انتهاء الحرب الباردة، توسعت أوروبا لتضم 15 دولة جديدة. وخلافا لصعود الصين الذي يثير قلقا ومخاوف في آسيا، نجحت أوروبا في التأثير في محيطها بتقليصها النزاعات الإتنية وتصديرها حكم القانون وتطوير الاقتصادات من البلطيق الى البلقان.
4 ـ ليست خفية «القوة الناعمة» لأوروبا على المستوى الدولي. يعود الى الاتحاد الأوروبي الفضل في كثير من القواعد والمؤسسات التي تبقي الأسواق مفتوحة وتنظيم التجارة العالمية وتقيد انبعاثات الكربون وتحاكم الانتهاكات لحقوق الإنسان، إنها أوروبا لا الصين ولا الولايات المتحدة التي كانت وراء إنشاء منظمة التجارة العالمية والمحكمة الجنائية الدولية وإرساء أسس مستقبل تحكمه مؤسسات ورجال دولة لا جنود ورجال أقوياء.
وحتى في خضم «أزمتها الوجودية»، لا تزال أوروبا تساهم أكثر من أي دولة أخرى في حل النزاعات الإقليمية والمشاكل العالمية.
وفي عز أزمتها، لا تزال دول تقف في الصف في انتظار الانضمام الى أوروبا. والى كرواتيا التي تنضم هذه السنة، لا تزال تركيا تأمل في إنجاز مفاوضات العضوية، وكذلك الأمر بالنسبة الى مقدونيا وصربيا ومونتنيغرو والبوسنة والهرسك وكوسوڤو. وبتعبير كاترين آشتون، لاتزال أوروبا تستقطب أعضاء جددا لا لأنها تدعم المبادلات التجارية والتوظيف والاستثمار فحسب، إنما أيضا لأنها تدافع عن القيم كالحرية والديموقراطية التي تلهم الشعوب حول العالم.
بين مشككين في المشروع الأوروبي وآخرين متمسكين به، يبدو من السابق لأوانه تحديد الكفة الراجحة. لا شك في أن أخطار تفكك الاتحاد حقيقية، ولعل السيناريو الأسوأ يتوقع ظهور أوروبا من ثلاثة مستويات، هي دول منطقة اليورو، والدول المتحمسة للانضمام الى منطقة العملة الموحدة على غرار بولونيا، والدول الرافضة على غرار بريطانيا. قد ترغم بعض الدول مثل اليونان أو قبرص على الخروج من منطقة اليورو، وقد تغادر دول أخرى مثل بريطانيا الاتحاد الأوروبي، علما أن خطوات كهذه تنطوي على تبعات خطيرة للاتحاد الأوروبي، إن لناحية صورته أو لناحية موارده.
5 ـ فيما يواصل القادة الأوروبيون البحث عن خارطة طريق للخروج من أزمة الديون التي أوقعت منطقة اليورو في ركود يخشى أن يستمر لسنوات، بقيت اقتصادات المنطقة تحت وطأة التداعيات السلبية لوتيرة النمو بفعل الانكماش المستمر في القطاعات الرئيسية، والارتفاع المتنامي في معدلات البطالة، في ظل سياسات تقشفية تستهدف جبهة مستويات العجز المحددة من الاتحاد الأوروبي.
بعد 4 سنوات، يرى قادة في منطقة اليورو أنه تم تجاوز السقوف الصعبة للإنقاذ وأنه لا بديل عن العملة الأوروبية الموحدة بدليل تكاتف الجهود لإنقاذ الدول الضعيفة مثل اليونان وإسبانيا.
ويرى آخرون أن النمو لن يتحقق وفق المعدلات المرتقبة أقله في السنوات القليلة المقبلة. ويستند أصحاب هذا الرأي الى توقعات بنمو اقتصاد ألمانيا، وهو الأول في منطقة اليورو بنسبة 0.6% في 2013 واقتصاد فرنسا بنسبة 0.3% فيما سيتراجع اقتصاد إيطاليا الى -1% واسبانيا الى -1.4%، لذا يتوقع الخبراء استمرار معاناة إسبانيا واليونان والبرتغال من الركود، بينما لا يعتبر الاتفاق المالي لمنطقة اليورو هو الحل، فيما شراء المصرف المركزي الأوروبي سندات الدين ليس أكثر من مهدئ مؤقت.
الانتعاش الذي كان متوقعا اعتبارا من الربيع، بدأ يفقد صدقيته مع المؤشرات المخيبة للآمال:
1 ـ استمرار تقلص النشاط الخاص، ولم يوفر هذه المرة ألمانيا، وباتت فترة الضعف الاقتصادي الطويلة تشمل أكثر الدول متانة في الاتحاد النقدي مع خطر تراجع النمو وارتفاع البطالة الى مستوى قياسي (12%) من اليد العاملة الأجنبية في منطقة اليورو.
هذا المعدل أنعش الجدل حول صوابية سياسات التقشف التي تدافع عنها ألمانيا والهادفة الى تصحيح المالية العامة، فباتت عرضة للتشكيك أكثر من أي وقت مضى، الأمر الذي حفز الاشتراكية الفرنسية على المجاهرة بموقفها وانتقاد «مستشارة التقشف». وقد نجحت أخيرا في استمالة موقف مماثل لحكومة إيطاليا الجديدة بعد البرتغال وإسبانيا.
2 ـ يتوجب على ألمانيا أن تواجه ضعفا في وتيرة النمو من جراء تأثرها بتدهور الأوضاع في باقي اقتصادات المنطقة بالتوازي مع الركود العالمي.
3 ـ سوق العمل الأوروبية تبقى ضمن أسوأ حالاتها، بدليل بلوغ معدل البطالة 12% وهو الأعلى منذ العام 1995 في الوقت الذي استمرت الشركات إما بتسريح عمالها أو بالامتناع عن التوظيف أو رفع الإنتاج بفعل ضعف مستويات الطلب سواء على المستوى المحلي أو العالمي. وقد صحت مخاوف المفوضية الأوروبية من تجاوز البطالة سقف الـ 12% في 2012 في ظل استمرار تعمق الركود ما من شأنه أن يعزز رفض خطط التقشف الذي يتزايد في دول الجنوب والدعوات الى خطط إنعاش.
ولا شيء في الخطط المعتمدة في الدول الخاضعة للتقشف طبقا لإملاءات دائنيها من شأنه أن يعكس هذا الاتجاه في الأمد القصير.
وأقرت المفوضية الأوروبية (الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي) بعدم كفاية الإجراءات التي أقرها التكتل لإعادة إطلاق الاقتصاد والقضاء على البطالة المتفاقمة، وخصوصا في أوساط الشباب.
ويبدو أن الاقتراحات الجديدة التي تفكر فيها المفوضية ستكون مدار بحث في القمة الأوروبية المقررة في يونيو المقبل، إذ قد يكون المطلوب، وفق ما يرى رئيس المفوضية، في ضرورة إشراك المؤسسات والدول في العمل لتحقيق النمو.
4 ـ تراجع معدل التضخم كثيرا عن المستوى المستهدف للمصرف المركزي الأوروبي. فوفق مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات» تراجع التضخم الى 1.2% في ابريل مقابل 1.7% في مارس نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع أسعار الطاقة. وتعتبر مستويات التضخم الأخيرة هي الأدنى في أكثر من 3 أعوام، إذ يعد التراجع نصف نقطة مئوية هو الأكبر في معدل التضخم منذ يوليو 2009.
وتأتي بيانات التضخم إثر صدور مجموعة من المؤشرات الاقتصادية المحبطة لتكتل العملة الموحدة (اليورو) المؤلف من 17 دولة.
وأثار تدفق الأنباء السيئة مخاوف من أن المنطقة قد تتعرض لركود ممتد.
وهذا ما دفع البنك المركزي الأوروبي الى دعوة الحكومات الى تفادي تقليص الجهود الساعية الى تعزيز الحسابات العامة، والى مواصلة الاهتمام بالإصلاحات البنيوية، من دون أن يغفل التحذير من إضاعة الجهود المبذولة لتقليص الدين.
ويبدو رئيس البنك ماريو دراغي متفائلا حين يتوقع انتعاشا تدريجيا واستقرارا اقتصاديا في النصف الثاني من العام.
لكن ثمة من يخشى أن تزيد الأزمة الأوروبية سوءا في ظل توقعات شبه رسمية ببطء عملية الانتعاش الاقتصادي. إذ وفقا لتقرير «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، فإن ثمة بوادر ملموسة للانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة واليابان في 2013، لكن بوادر الانتعاش محدودة في أوروبا حيث مازالت معدلات البطالة مرتفعة حتى في تلك الدول التي تتمتع بمعدلات نمو مرتفعة، وتاليا تتوقع المنظمة أن تسجل دول أوروبا باستثناء ألمانيا، معدلات نمو متواضعة أو ستشهد اقتصاداتها انكماشا خلال العام الحالي.