Note: English translation is not 100% accurate
بعد ثلاث سنوات متتالية من إجراءات التقشف التي تسببت فيها الأزمة المالية
بريطانيا تبدأ «ثورة» اقتصادية جديدة تحدث قدراً من التوازن
13 يوليو 2013
المصدر : القاهرة ـ أ.ش.أ

يمثل إعلان الحكومة البريطانية عن خطة ضخمة للإنفاق تقدر بنحو 150 مليار دولار تخصص للإنفاق على البنية التحتية خلال السنوات الست القادمة، نوعا من انتهاج الحكومة لسياسة «ثورية» ستحدث قدرا من التوازن بعد ثلاث سنوات متتالية من إجراءات التقشف التي تسببت فيها الأزمة المالية.
وتستهدف خطة الإنفاق البريطانية الجديدة تعزيز الاستثمار الضخم في شبكات النقل والسكك الحديدية ليكون هو الأكبر منذ عهد الملكة فيكتوريا، إذ ستجرى إعادة تطوير وترميم وتوسيع حوالي 21 ألف ميل وتزويدها بوسائل للسرعة الفائقة التي ستخدم حوالي 97% من سكان المملكة المتحدة خلال ثلاث سنوات، وتمتد شبكة الجسور الجديدة وطرق السكك الحديدية الأسرع والأحدث من لندن في الشمال إلى أقصى جنوب بريطانيا.
كما يشتمل البرنامج على إنفاق 50 مليار دولار لإنشاء مدارس جديدة من أجل مواجهة ارتفاع معدل المواليد الذي سيؤدي إلى التحاق أكثر من مليون طفل بالمدارس في الأعوام الثلاثة القادمة.
ومع ذلك فإن هذه الخطة لا تعني التخلص من إجراءات التقشف المتبعة، فقد حرصت الحكومة على عدم القول بأن خطة الاستثمار الجديدة في البنية التحتية قد تمثل تحولا كبيرا عن سياسات التقشف السائدة حاليا، حيث يرى بعض المحللين الاقتصاديين في بريطانيا أن الحكومة لن تتراجع عن إجراءات التقشف، لاسيما ما يتعلق منها بموظفي الدولة واستحقاقات المعاش التقاعدي للأثرياء على وجه خاص.
وعلى سبيل المثال فقد أدت إجراءات التقشف في ثلاث سنوات إلى تراجع عدد موظفي القطاع العام إلى نفس الرقم الذي كان قائما في عام 1997، أي انه تم التراجع عن 13 عاما من التوسع في التوظيف بالقطاع العام الذي قامت به الحكومة العمالية السابقة، حيث تشير الأرقام إلى تزايد عدد العاملين بالقطاع الخاص في نهاية 2012 مصحوبا بتراجع في عدد العاملين بالقطاع العام «جهاز الدولة»، حيث ازداد عاملو القطاع الخاص العام الماضي بنحو 904 آلاف وظيفة، بينما فقد القطاع العام خلال نفس العام 313 ألف وظيفة.
ومن هنا تسير خطة الإنفاق الجديدة جنبا إلى جنب مع استمرار الضوابط الصارمة على الإنفاق العام، خصوصا التي تتعلق بميزانية الرعاية الاجتماعية ومعاشات التقاعد، إذ يتوقع أن تتقلص حصة الدولة في الاقتصاد بحلول عام 2020 إلى أدنى معدل لها منذ سبعينيات القرن الماضي.
وعلى الرغم من أن خطة الإنفاق على قطاع البنية التحتية تعد عملا رائعا وسياسة «ثورية» من الحكومة البريطانية، كما يرى المحلل مارتن والكر في وكالة يونايتد برس إنترناشيونال، إلا أن التساؤل الجدي يكمن حول طريقة تمويل هذا البرنامج الضخم، خاصة أن الاقتصاد البريطاني لم يخرج بعد من كبوته، فالأزمة المالية لا تزال تؤثر سلبا على القطاع المصرفي.
ويوضح انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني حقيقة تباطؤ معدل نمو الناتج المحلي، الأمر الذي أدى إلى تقدم فرنسا والبرازيل على بريطانيا في ترتيب الاقتصادات العالمية، وذلك على الرغم من حدوث بعض الانتعاش في الشهرين الأخيرين، بسبب نمو قطاع الخدمات (يمثل أكثر من 70% من حجم الاقتصاد البريطاني) بأكثر مما هو متوقع منذ شهر مايو الماضي، وارتفاع مؤشر التصنيع الذي سيتعزز مع بدء خطة تطوير البنية التحتية بالطبع.
لكن يبدو على الرغم من ذلك أن الحكومة البريطانية قد استعدت جيدا لقضية تمويل هذه الخطة الكبرى، لاسيما في ضوء الاكتشافات النفطية الهائلة التي ستبدأ بريطانيا في استغلالها خلال الأشهر القادمة.
وتتمثل أبرز عناصر التمويل في أن الحكومة تخطط لبيع أصول عامة بقيمة 20 مليار دولار، يشمل ذلك محفظة القروص الطلابية، وحوالي 8 مليارات في قطاع العقارات، كما تستعد الحكومة للاستفادة من أسعار الفائدة طويلة الأجل على السندات المدعومة من الدولة (على طريقة كينز الاقتصادية)، والخاصة بالاستثمار في عدة مجالات تنموية في المستقبل.
أما الجانب الأبرز فيتمثل في تخطيط الحكومة لإزالة جميع العقبات التي تواجه استغلال الاحتياطات الكبيرة من النفط الصخري والغاز الطبيعي على غرار ما تحاول الولايات المتحدة القيام به حاليا، ففي شهر يونيو الماضي ذكرت هيئة المسح الجيولوجي البريطانية أنه بعد عامين من البحث والتنقيب، تم التأكد من احتواء منطقة شواطئ بولاند شمالي إنجلترا على أكثر من 1.3 تريليون متر مكعب من الغاز، وذكرت الهيئة أن استخراج 10% فقط من هذه الكمية يمكنها أن توفر احتياجات بريطانيا من الطاقة لمدة 50 عاما.
ووفقا لصحيفة الجارديان البريطانية، فإن ثمة دراسات مماثلة أجريت على حقول الغاز المعروفة باسم «ويلد» في جنوب إنجلترا وفي جنوب ويلز وفي لينكولنشاير ويوركشاير في شرق إنجلترا وفي منطقة فيرث أوف فورث الإسكتلندية، تؤكد جميعها علة وجود احتياطات كبيرة من الغاز والنفط الصخري، حتى إن بعض الدراسات الخاصة التي أعدتها بعض شركات الطاقة العالمية الكبرى تشير إلى أنه يمكن لبريطانيا وحدها أن توفر احتياجات الطاقة في أنحاء القارة الأوروبية لأكثر من قرن من الزمان.
وقال داني ألكسندر، سكرتير أول بوزارة المالية وعضو حزب الديموقراطيين الأحرار الشريك الأصغر في الائتلاف الحاكم برئاسة ديفيد كاميرون، «إن المسوح المختلفة تؤكد الإمكانيات الهائلة التي لدى المملكة المتحدة من الغاز والنفط الصخري، والحكومة مستعدة لإطلاق العنان لثورة في الطاقة لتغطية احتياجات بلادنا».
أما وزير الطاقة البريطاني، مايكل فالون، فيرى أن «هذه الاكتشافات والاكتشافات المحتملة من النفط والغاز ستغير حتما في قواعد أمن الطاقة»، ويضيف: «يوم بريطانيا القادم هو اليوم الذي نحصل فيه فعليا على النفط الصخري».
ولهذا أكد بيان أصدرته الحكومة البريطانية مؤخرا أنها ستعلن قريبا عن حزمة شاملة من الإصلاحات والإجراءات من أجل استخراج الغاز، وتشمل مقترحات للنظام الضريبي، وخططا خاصة بحصول المجتمع على مستحقاته جراء هذه الاكتشافات، وأن تكون المملكة المتحدة رائدا للاستثمار العالمي في هذا المجال، علاوة على إعلان حزمة من الأنظمة البيئية التي تشجع صناعة استخراج النفط الصخري والغاز بوسائل أكثر أمنا لسلامة البيئة.
وتأمل الحكومة في حل المشكلة الأساسية التي تعطل البدء في الاستخراج الفعلي لهذه الاكتشافات من خلال إقناع المعارضة المحلية (في مناطق مختلفة بإنجلترا) ببدء عمليات الحفر، وذلك من خلال إقناع شركات الطاقة بأن تتلقى كل بلدة أو منطقة محلية 150 ألف دولار عن كل بئر يكتشف ويتم الحفر به، وأن يخصص لها كذلك نسبة 1% من عائدات الإنتاج.
وبالفعل صدر 176 ترخيصا من الحكومة للتنقيب عن النفط والغاز في مناطق مختلفة بإنجلترا، وستصدر تراخيص جديدة لبدء العمل في 50 بئرا يجري الحفر والتنقيب بها خلال العامين المقبلين.
وعلاوة على ذلك تأمل الحكومة البريطانية في استغلال النفط والغاز في بحر الشمال على مدى الثلاثين عاما القادمة، بل إن خبراء الطاقة يتوقعون حدوث طفرة في صناعة النفط الصخري ستمكن بريطانيا من توفير فرص عمل جديدة وإنشاء جيل جديد من الموظفين المهرة الذين يسوقون خبراتهم في هذا المجال في العالم، فضلا عن أن جميع هذه الإجراءات ستقود مع الوقت إلى الحد من العجز التجاري بسبب واردات الطاقة والتي ستتراجع شيئا فشيئا مع إنتاج بريطانيا لطاقة محلية أقل تكلفة.