Note: English translation is not 100% accurate
الصالح: « قصة كي-داو».. دروس وعبر في أهمية حوكمة قطاع الدولة وضرورة الإصلاح الإداري
5 يونيو 2013
المصدر : الأنباء
أصدر رئيس مجلس ادارة الجمعية الاقتصادية الكويتية طارق محمد مساعد الصالح بيانا صحافيا حول قصة كي-داو، قال فيه:
أصدرت غرفة التجارة الدولية في الآونة الأخيرة حكما حصلت بموجبه شركة داو للكيماويات تعويضا قدره 2.2 مليار دولار بسبب الغاء صفقة كي-داو، وتم دفع التعويض من قبل الكويت في مطلع شهر مايو 2013. وقد أثارت هذه الغرامة المالية غير المسبوقة جدلا اعلاميا حول متخذي القرار في السلطة التشريعية والحكومة ودورهم في اجهاض خطة كي-داو، فيما يلوم آخرون القطاع النفطي في الكويت لإبرامهم مثل هذه الصفقات في المقام الأول. وفي نظرنا، من المجدي في هذه الحالة الكشف عن الدروس طويلة المدى للحوكمة، والسعي لاسترجاع مصداقية الكويت كوجهة رئيسية للتجارة، خصوصا في ظل التصنيف المنخفض للكويت في مجال الحوكمة من قبل المؤسسات الدولية. وتقوم المؤسسات الحكومية وخصوصا المرتبطة بالقطاع النفطي بدور مهم في تخصيص الموارد والانتفاع منها، نظرا الى كبر حجم مساهمة هذه المؤسسات في ايرادات الدولة (اكثر من 90%)، الا أن المؤسسات الحكومية ركزت خلال الفترة السابقة على الاجراءات الروتينية، ولم تول التركيز الكافي للشفافية، وقياس الأداء، والمساءلة، ولهذا السبب جاء تصنيف الكويت دون المرجو حسب المؤشرات الدولية لجودة الادارة والمساءلة، حيث «تنبع صعوبات حوكمة الشركات من ارتباط المسؤوليات في الشركات المملوكة للدولة بسلسلة معقدة من الوسطاء - مثل الادارة، ومجلس الادارة، والجهات المالكة، والوزارات، والحكومة - بدون أي مسؤولين رئيسيين يمكن تعريفهم بشكل واضح وسهل أو حتى بشكل غير مباشر. ويتمثل التحدي بعملية هيكلة هذه الشبكة المعقدة من المسؤوليات بشكل يضمن كفاءة صنع القرار وجودة الحوكمة».
وتجسد تطورات قضية كي-داو مثالا حيا للحالات التي يكون فيها الاطار العام للسياسات مفتقدا لاجراءات الحوكمة السليمة. وفي هذا السياق، نسعى من خلال هذه الوثيقة الى استخلاص دروس حوكمة محددة تمهد لأرضية صلبة للقطاع النفطي من أجل تقديم أداء ذي فاعلية أكبر، واسترداد المصداقية الدولية التي خسرتها الكويت بسبب قضية كي-داو.
الدرس الأول: تحصين القرارات الاقتصادية من المناورات السياسية
بعد أن اتخذ مسؤولي القطاع النفطي قراراتهم الاقتصادية حول صفقة كي-داو، قام البرلمان بتناول موضوع الصفقة للمزيد من المراجعة. وللوقوف على جدوى هذا الاجراء، من المجدي النظر الى النموذج النرويجي في هذا المجال، حيث يشرف البرلمان النرويجي على كل أوجه القطاع النفطي، الا أن البرلمانيين لا يراجعون الرخص فرادى، ولا يتدخلون في التفاصيل الفنية للقرارات الاقتصادية. كما تتبع وزارة النفط والطاقة النرويجية قواعد صارمة، ولا يمكن أن تحيد عن سياسات وقواعد التراخيص والتي تم وضعها من قبل المشرعين في البرلمان، وعلى المسؤولين الحكوميين الاعلان عن أي تعارض في المصالح.
ولعل الطريقة المثلى لمعالجة هذا التداخل في صلاحيات مؤسسات الدولة في الكويت هو منح المؤسسات الحكومية الاستقلالية، وتحصين قراراتها الاقتصادية ذات الطابع الفني من المناوشات السياسية، حيث إن السبب الرئيسي للتراجع عن صفقة كي-داو - بغض النظر عن الأساس المنطقي وراءه - هو تدخل السلطة التشريعية بمهام السلطة التنفيذية. وبشكل عام، لا يمكن للمؤسسات الحكومية أن تعمل بطريقة سليمة اذا كان كل قرار تصدره الجهة التنفيذية سيتم تمحيصه والموافقة عليه من قبل البرلمان واللجان المختلفة والوزارات المعنية. كما يعتبر منصب وزير النفط منصبا سياسيا، ومن يشغله يكون مسؤولا عن القطاع النفطي وأداءه من خلال رسم وتنفيذ السياسات العامة المتعلقة بالقطاع، ولا بد من وجود قواعد وتعليمات واضحة - كما هو الحال في المثال النرويجي - بشأن النشاطات الاقتصادية للمؤسسات الحكومية، والتي على أساسها يقوم وزير النفط بمتابعة الأداء، بدلا من اهدار وقته في الحصول على الموافقة لكل نشاط اقتصادي للمؤسسات الحكومية. كما يتحتم على المؤسسات الحكومية أن تدعم قراراتها بالدراسات الوافية وأن تلتزم بالاجراءات والقواعد المنصوص عليها قانونا والتي حظيت بموافقة البرلمان، وأن تقوم الحكومة بالدفاع عن هذه القرارات في حال وجه البرلمان النقد لهذه القرارات أو أخضعها للمساءلة. وبهذا الشكل، تكون محاسبة البرلمان للحكومة ومؤسساتها وفق القواعد العامة المتفق عليها والتي تم تشريعها كقوانين، وليس وفق التفاصيل الفنية التي تعني بها المؤسسات الحكومية ذات الطابع الاقتصادي.
وبناء على أفضل الممارسات الدولية، يقوم المشرعون بتنظيم القطاع النفطي والاشراف عليه، ولكنهم لا يناقشون التفاصيل الفنية للصفقات التجارية، وهذا ما يجب تطبيقه في الكويت لينجح المشرع في محاربة الفساد بصورة أفضل عبر تحسين الاطار القانوني وتقديم عقوبات أكثر صرامة، عوضا عن البحث اجتهادا عن عدم سلامة كل صفقة على حدة، وبذلك تترك مهام تمحيص أعمال الوزارات والمؤسسات الحكومية للمدققين الداخليين وديوان المحاسبة. ولقد وافق البرلمان في وقت سابق من هذا العام على قانون جديد متعلق بتضارب المصالح والافصاح، ويعتبر هذا التشريع خطوة في الاتجاه الصحيح.
الدرس الثاني: ربط المناصب مع الكفاءة
وتفتح قضية كي-داو المجال للعديد من التساؤلات حول احكام عملية صنع القرارات في المؤسسات الحكومية، والتي بدورها مرتبطة بجودة الموارد البشرية فيها، فالتعيين للمناصب العليا في هذه المؤسسات غالبا ما يكون مرتبطا بعدة عوامل ومتغيرات ليس لها علاقة بالكفاءة. كما أن عملية الترقيات استدعت تشكيل عدة لجان تحقيق، وهو ما ينم عن افتقاد الاجراءات الواضحة للترقية وشغر المناصب والوظائف بناء على الكفاءة، ومن شأن اصلاح عملية الاختيار للمناصب والوظائف الشاغرة أن تمنع المرشحين للتعيين في تلك الوظائف من اللجوء الى طرق غير رسمية لاثبات أحقيتهم في التوظيف. كما يمكن أن يتم التعيين في المناصب القيادية في المؤسسات الحكومية عن طريق مقيمين دوليين، وشركات توظيف عالمية لتقليل امكانية الاختيار على أسس سياسية، ويجب تطبيق هذا النظام على جميع الشركات الحكومية الكويتية، والتي تسيطر على حصة كبيرة من الايرادات الحكومية. وبالاضافة لذلك، لا بد أن يتم التوظيف في القطاع النفطي بناء على الاحتياجات، بدلا من استخدام التوظيف كوسيلة لدعم البطالة المقنعة.
وباختصار، لا بد من الاستثمار في الموظفين وجذب المواهب والكفاءات، وحماية المؤسسات الحكومية من التوظيف العشوائي. ولتحقيق هذا الهدف، نقترح أن تلتزم المؤسسات الحكومية بقواعد توظيف واضحة وشفافة تشمل:
• صياغة توصيف وظيفي واضح، ومرتبط بشكل وثيق مع الأهداف المؤسسية.
• تحديد الشروط والمؤهلات المطلوبة للمنصب.
• تشكيل لجنة محايدة لتقييم المتقدمين للتوظيف بناء على الشروط والمؤهلات المطلوبة.
• اعداد قائمة بالمرشحين المحتملين لتولي مهام الوظيفة.
• التوصل لقرار توظيف مبني على أسس مهنية ومدعوم بالاجراءات المذكورة أعلاه.
• الاعلان بشكل شفاف عن الشواغر وعن نتائج عمل اللجنة.
الدرس الثالث: ترسيخ ثقافة المساءلة العادلة للموظف الحكومي
تتركز معظم المناقشات حول قضية كي-داو على السياسيين، بينما تهمل أعمال الموظفين التي تعتبر جزءا رئيسيا من المشكلة. وكلما ظهرت قضية مثيرة للجدل في الكويت حول وزارة ما أو أي من المؤسسات الحكومية، غالبا ما يتم استجواب الوزير المسؤول في البرلمان، ومن ثم يستقيل الوزير وتنتهي المسألة عند هذا الحد. وفي الحالات القصوى يتم اجبار رئيس المؤسسة أو أحد كبار المسؤولين على التقاعد المبكر، مما يؤدي الى توليد حالة من اللامبالاة بسبب ضعف ثقافة المساءلة عند الموظفين نظرا لعدم وجود عواقب. ولذلك، يجب العمل على تحسين الاطار القانوني والنهج الاداري، والتأكد من المام كل مسؤول تنفيذي بمسؤولياته ومهامه.
الدرس الرابع: تأسيس قنوات اتصال هادفة
ولو نظرنا عن كثب الى قضية كي-داو، فسنرى أن مكمن الخلل هو عدم وجود قنوات اتصال منسجمة، حيث تصدى كل من مجلس ادارة شركة الصناعات البتروكيماوية، ومجلس ادارة مؤسسة البترول الكويتية، ووزارة النفط، والمجلس الأعلى للبترول لهذه القضية. وبعد كل تلك المناقشات، أعلن بعض الأعضاء في هذه اللجان عدم معرفتهم بوجود بند عقوبات لالغاء الصفقة، مما أجج من عملية تقاذف اللوم كنتيجة لعدم فاعلية ووضوح قنوات الاتصال بين متخذي القرار. وبعكس هذا السيناريو، توفر قنوات الاتصال البسيطة والفعالة الوضوح والشفافية وسهولة المساءلة عند الحاجة.