Note: English translation is not 100% accurate
رأي نفطي
محاكاة المكامن.. حكايات ما قبل التاريخ
27 مارس 2016
المصدر : الأنباء
م.فهد عبدالرحمن الفارسي
قبل البدء في سرد محتوى المقالة، أود أن أتطرق ولو بالقليل الى الوضع النفطي في العالم وتداعياته الاقتصادية، فلا يخفى على أحد الانهيار الحالي في سعر برميل النفط الخام الكويتي والذي وصل مؤخرا لسعر 19 دولارا للبرميل، متنافسا مع أقرانه من مختلف النفوط العالمية في هذا السباق لتحطيم المستويات القياسية لسعر هذه السلعة المهمة، مما ترتب عليه مشاكل كثيرة للعديد من الدول والشركات المنتجة للنفط، وقد رأيت هذا شخصيا، حيث كنت في عاصمة النفط الأميركية «هيوستن» والتي شهدت أكبر معدلات تسريح لموظفين في الشركات النفطية لديها كوسيلة لإنقاذها من الافلاس.
ونرى أيضا في الكويت ودول الخليج بعض القرارات والتي تتضمن في محتواها «شد الحزام» كرد فعل لتأثير انخفاض سعر النفط، حتى نتمكن من تخطي المرحلة بسلام. وبالرغم من هذا كله، فيجب أن نرسخ ايماننا بأن الرازق هو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي رزقنا في مرحلة ما قبل النفط وفي مرحلة «انعدام» النفط أثناء فترة الاحتلال الغاشم، فكل ما علينا فعله هو التفاؤل والعمل بإخلاص والتوكل على الرزاق.
عودة الى موضوع المقالة، كما هو معروف فإن علم هندسة البترول يتعامل مع طبقات سحيقة في باطن الأرض لم يرها انسان قط، ولهذا دائما ما تتم مقارنته بعلم الفضاء للغموض الذي يحيط بهما. في العقود الأخيرة تطورت هندسة البترول كثيرا حتى أصبحت قادرة على «رؤية» ما هو موجود تحت الأرض من طبقات كثيرة متداخلة فيما بينها وكيفية تكونها، وما تحتويه هذه الطبقات من سوائل مهمة كالنفط والغاز والتي تكونت منذ ملايين السنين. تعرف هذه الطريقة بـ«محاكاة المكامن» أو Reservoir Simulation والتي تعمل على إعادة تشكيل هذه الطبقات ومحتوياتها وخصائصها كنماذج مرئية وذلك بواسطة استخدام أجهزة كمبيوتر معقدة، حيث يقوم المهندسون من خلالها بإدخال البيانات الرئيسية لهذه الطبقات والتي قد تم جمعها أساسا من خلال عمليات حفر الآبار وأخذ العينات، بالإضافة لمراقبة ضغوطها مع الوقت.
ومحاكاة المكامن هو عبارة عن استخدام نموذج يحتوي على كتلة من الخلايا الرقمية والتي تمثل كل خلية فيها جزءا محددا من المكمن، ويكون داخل هذه الخلايا خصائص موحدة للمكمن كالمسامية والنفاذية واللزوجة.. إلخ، وتكون البساطة أو التعقيد في تفاصيل نموذج المحاكاة مرتبطة بالبساطة أو بالتعقيد خلف استخدام هذا النموذج، وتكون متوافقة أيضا مع كمية البيانات التي يمكن استخدامها.
يمكن تطبيق محاكاة المكامن، إما في مرحلة التقييم أثناء تطوير الحقل، أو في المراحل المتوسطة والمتأخرة من عمر الحقل، مع وضوح وجود اختلافات في النتائج المتوقعة لكل مرحلة.
ففي مرحلة التقييم يكون استخدامه كأداة لتصميم خطة لتطوير الحقل من حيث كيفية استخراج النفط (آليات الدفع الطبيعية، الحقن بالماء أو الغاز.. إلخ)، تصميم المرافق المطلوبة مثل مراكز التجميع وخطوط التدفق، وتحديد عدد ومواقع وأنواع الآبار المراد حفرها مستقبلا، وفي هذه المرحلة يتم اتخاذ العديد من قرارات الاستثمار الكبرى، ولذا يجب اصدار توقعات موثوقة لأداء المكمن مستقبلا، ولكن في هذه المرحلة أيضا يكون لدينا أقل قدر من البيانات، والقليل جدا من تاريخ الإنتاج للحقل والذي لا يساعد على بناء نموذج متكافئ. في المرحلة المتقدمة من عمر الحقل (عادة مع إنتاج بين 2 و20 سنة) تعتبر محاكاة المكامن أداة لتقييم خيارات التطوير المستقبلية للمكمن، والفرق الرئيسي بينها وبين مرحلة التقييم هو وجود تاريخ من الإنتاج للسوائل المختلفة، بالإضافة لفهم طبيعة التواصل بين الآبار.في هذه المرحلة يتم استخدام محاكاة المكامن لأداء مطابقة لتاريخ انتاج الحقل (History Matching)، ثم إعادة تقييم خطة التطوير المتبعة، والبت بين خيارات المشاريع الصغيرة المختلفة (كحفر بئر أفقية مقابل حفر 2 أو 3 آبار عمودية على سبيل المثال).
وقد دأبت شركة نفط الكويت على إعداد هذه النماذج منذ سنين عدة لجميع مكامنها النفطية، وذلك لاعتبار هذه النماذج العمود الفقري في التخطيط لإنتاج وإدارة البترول في العقود القادمة، وتقوم الشركة بتحديث ومراجعة هذه النماذج بصورة مستمرة لتقييم التغيرات التي قد تطرأ على خطط واستراتيجيات تطوير الحقول النفطية التابعة لها.كما دأبت الشركة أيضا على تدريب المهندسين لديها بأعلى المقاييس وذلك عبر ارسالهم للالتحاق بأعرق الشركات النفطية العالمية لعدة أشهر حتى تتحقق الاستفادة الفعالة لتعلم هذا المجال، والذي يعتبر من أكثر التخصصات صعوبة في مجال هندسة البترول.