جميلة لكنني غبية! أرجوكم أن تسمعوني جميعا.. أن تعطوني اهتمامكم.. أن تشعروا بمعاناتي.. وأن تبحثوا لي في النهاية عن حل!
أنا فتاة في السابعة عشرة من عمري. جميلة. موهوبة في كل شيء.. أجيد فن الرسم.. صوتي جميل.. وأنا المطربة والراقصة المفضلة في أفراح الأهل والأصدقاء.. لكن مشكلة حياتي: أنني فاشلة في التعليم!
فمنذ كنت في مرحلة المتوسط وأنا أنجح «بالواسطة». دون أي جهد يذكر في المذاكرة. فأبي انفصل عن أمي التي تزوجت برجل آخر. ولم يهتم أحد بتوجيهي إلى أهمية المذاكرة. بل كان جل اهتمامهم أن أتخطى مرحلة المتوسط ولو كان بالواسطة. لكن هذه الواسطة لم تنفع عندما انتقلت إلى الثانوية. فقد رسبت 3 سنوات في الصف الأول.
والآن.. أصبحت أكبر شقيقاتي الباقيات دون زواج. وأبي يريد أن يزوجني.
وقد قال لي: لقد اخترت لك عريسا فاشلا.. مثلك!
نعم.. أعرف أنني غبية، فأنا لا أحب اللغة الانجليزية رغم تفوقي في الحساب لكنني والله العظيم أحاول أن أثقف نفسي. فأنا أقرأ في الأدب والشعر بل وحتى في العلوم والطب.. لكن ما ذنبي إذا كنت قد فشلت المدرسة لظروفي حتى أتزوج إنسانا فاشلا؟
دلال ـ عصفورة الجهراء.
٭ أجدادنا وجداتنا لم يذهبوا إلى المدرسة ولم يلتحقوا بالجامعة. وإنما تخرجوا من «جامعة الحياة». ومن فهم ووعي حصاد التجربة البشرية في هذه الجامعة الحقيقية استطاعوا إكمال حياتهم في سعادة ونجاح. وحتى في أيامنا هذه يوجد أزواج وزوجات لم يكملوا تعليمهم لكنهم بفضل وعيهم وثقافتهم الخارجية استطاعوا أن يعبروا بحياتهم الزوجية إلى بر الأمان. وعوضوا ما نقصهم من تعليم بإصرارهم على تعليم أولادهم.
تحدثي إلى والدك وحاولي أن تقنعيه بوجهة نظرك. وأن تستمعي في هدوء لمواصفات العريس المرشح. فربما يكون به ما يزكيه لإقناعك بالموافقة بغض النظر عن عدم إكماله تعليمه. وإذا كنت أنت لم تكملي تعليمك وتعتبرين نفسك مثقفة.. فلماذا لا يكون غيرك أيضا هكذا؟
أحبك بالنيابة عن أختي!
لم أفكر أبدا في أن أرسل مشكلة إلى جريدة. بل ولم أكن أتصور في يوم من الأيام أن أقرأ مشكلتي العاطفية على صفحات الجرائد.. لكن ماذا أفعل وقد أعياني التفكير ولم أجد حلا؟
أخي..
أنا فتاة في العشرين من العمر.. لست مثل بعض الفتيات اللاتي قد تسمع عنهن.. فأنا تربيت على التقاليد وعلى احترام نفسي وتقدير كل العادات المحافظة التي تتحلى بها عائلتي.. ورغم ذلك فإنني وقعت في الحب!
حدث ذلك منذ 3 سنوات عندما اكتشفت فجأة أن شابا من جيراننا يتابعني بنظراته كلما خرجت. ولأنني أعرف أنه شاب مهذب ومن عائلة طيبة حسنة السيرة.. لم أقم بأي تصرف يمنعه من ذلك.. لكن في الوقت نفسه لم أتصرف بشكل يوحي بأنني أشجعه.. رغم أنني لا أنكر أنني شعرت في أعماقي ببعض الميل إليه.. خاصة انه لم يخرج أبدا عن حدود الأدب!
ومرت الأيام..
وبسبب ظروفي وطبيعة الحياة التي نحياها.. فإن فرص لقائنا تكاد تكون معدومة.. وهكذا فإنه لم يجد أمامه سوى «الهاتف» وسيلة يحاول بها الاتصال بي. لكني كنت دائما لا أرد وأغلق السماعة.. كل ذلك وإحساسي تجاهه يزداد قوة مع الأيام.. وهكذا لم أجد سوى أختي التي تصغرني بعام واحد لأفضي إليها بمكنون قلبي.. فأنا إنسانة خجولة جدا.. خجولة لدرجة أنني لا استطيع أن أرد على الهاتف.. ورغم أنني أيقنت تماما أنني أحبه!
وجاءتني أختي بالحل.. وليتها لم تفكر في هذا الحل الغريب.
فقد اقترحت على أن تتولى هي الرد على مكالماته.. وأن تدعي أنها.. أنا!
وهكذا تولت أختي تقمص شخصيتي.. وصدق هو أنها أنا.. فباح لها بمكنون قلبه بعد تردد.. وأخبرها بأنه ينوي التقدم للزواج منها أقصد مني بعد أن ينتهي من دراسته.
ومضت سنتان..
وأنهى دراسته بنجاح.. وفي المكالمة الأخيرة أخبر أختي بأنه يريد تحديد موعد مع الأهل للتقدم لخطبتها أقصد خطبتي وهكذا وقعت في الورطة التي لا أرى لها حلا!
عندما أصبحت المسألة «جد» انفعلت أختي.
وقالت لي: لا يجب عليك الزواج منه.. لأن ذلك يعني أنه سيعرف الحقيقة ويعرف أن التي كانت تحدثه طوال العامين الماضيين هي أنا ولست أنت.. وقد ينظر لي على انني إنسانة مستهترة.. وأنا لا أتحمل أن تكون هذه هي وجهة نظر زوج أختي عني!
هذه هي حيرتي..
هل أرفضه من أجل أختي؟
أو أقبل الزواج منه وأشوه صورة أختي؟
وأخاف أن أصارحه بالحقيقة... فيهرب مني ومنها!
الحائرة م. س
٭ لا شك أنك أخطأت وأخطأت أختك أيضا في هذا التصرف. لكن المكالمات الهاتفية شيء والزواج شيء آخر؟ الزواج يجب أن يتم على المصارحة والصدق بين الطرفين. وهكذا يجب عليك أن تعترفي له بحقيقة الخدعة التي وقع فيها طوال العامين الماضيين.. أنه كان يحب إنسانة ويتحدث إلى إنسانة أخرى.
ليس أمامك سوى مصارحته.
وأعتقد أنه لو كان يحبك فعلا. ولو كان جادا. لن يتراجع. ولن يأخذ فكرة سيئة عن أختك. بل سيحاول تبرير ما حدث. بأنه خجل منك.. وأيضا حرص منك على استمراركما واستمرار حبكما حتى الزواج.. وبعده ان شاء الله.
رسالة.. من وراء القضبان!
أكتب لك هذه الرسالة.. من السجن!
صحيح أنه ليس السجن المعروف الذي يودع فيه المجرمون والقتلة.. لكنه لا يختلف عنه بحال من الأحوال. فأنا حبيسة أربعة جدران هي حوائط البيت.. لا أستطيع الخروج.. ولا توجد صلة تربطني بالعالم الخارجي على الإطلاق..
قد ترون ذلك غريبا، على يد أمي بدأ منذ سنوات، وحتى أصبحت في الثانية والعشرين.. هذه السن التي تتفتح فيها أي فتاة على الحياة وأحلام المستقبل.. هذه الأحلام التي قضت عليها أمي، والتي تجثم فوق أنفاسي حتى تكاد تخنقني.. فإذا اتصلت بي صديقتي في الهاتف.. تجلس أمي بجواري حتى تنتهي المكالمة. فأرتبك ولا أعرف ماذا أقول.. إذا تحركت تحركت خلفي.. وإذا تكلمت ترد علي بالكلام الذي يكسر القلب.
وهكذا أضطر إلى السكوت.. والسكوت.. وإلى اجترار آلامي بعد أن حرمتني أمي من هوايتي الوحيدة الرسم.. ثم حرمتني من التمثيل الذي تراه عيبا!
وها أنا الآن سجينة جدران البيت.. لا أتحدث في الهاتف أو أرد عليه.. أقضي نهاري في الغسيل والطهي وتربية الأطفال.. حتى انعدمت آمالي واحترقت في صدري.
انني أصرخ بأعلى صوت: لماذا.. وإلى متى سأظل سجينة؟ ومتى أتنسم هواء الحرية خارج أسوار سجن البيت.
المعذبة: ن. ح. ب
لم أستطع التغلب على إحساس راودني وأنا أقرأ رسالتك. بأن ثمة شيئا ناقصا بين سطور هذه الرسالة. ثمة معلومات غفل قلمك عن ذكرها. وربما تكون هذه المعلومات هي السبب الحقيقي وراء تصرفات والدتك! لكن ذلك لا يعني أنه لا توجد مثل هذه النوعية من الأهل.. الذين يتغاضون عن «انسانية» أبنائهم. وخاصة البنات اللائي مازال البعض يرفض أن يصدق أنهن أيضا بشر. لهن مشاعر وأحاسيس. وأنهن لسن «عورة» يحسن إخفاؤها عن الناس. وحبسها في البيت.. حتى يطلق سراحهن على يد الموت!
البنت أيضا مثل الولد لها نفس الحقوق ويجب على الأهل ألا يعتبروها جمادا أو قطعة من أثاث البيت.
أعطوها الحرية في حدود الشرع، وراقبوها دون مبالغة.. وعاملوها برفق.. فإن كثرة الضغط تولد الانفجار. والفتاة التي تعاني نفسيا في منزل أهلها.. لن تكون بسهولة زوجة سعيدة أو أما ناجحة.
مشكلتي.. في كشوف الناجحين!
اسودت الدنيا في وجهي وفكرت ألف مرة في الانتحار بعدما امتلأ قلبي باليأس والتشاؤم والحزن!
أنا فتاة في الثامنة عشرة..
تزوج أبي من امرأة أخرى غير أمي وأنجب منها أولادا وبنات، ثم أعاد أمي مرة أخرى وأنجبت له أولادا وبنات.. وهكذا أصبحنا عائلتين من أب واحد نعيش في بيت واحد مليء بالمشاكل التي لا تنتهي أبدا..
ومع ذلك فقد كنت الوحيدة بين اخوتي المتفوقة في الدراسة.. واستطعت أن أحقق حلم أمي وأحصل على الثانوية العامة بتفوق يؤهلني لدخول الجامعة.. والحمد لله.. لكن!
عندما قدمت أوراقي للجامعة ثار أخي غير الشقيق من زوجة أبي الثانية وغضب لأنه قرأ اسمي في الصحف مع الناجحين والناجحات. وأقسم ألا أدخل الجامعة وبدأ يهددني إذا لم أسحب أوراقي. واتجهت إلى أبي الذي كان يقف معي بادئ الأمر. فاكتشفت أنه أصبح في يدي أخي!
واستسلمت فلم يكن أمامي سوى الاستسلام.. واضطررت لسحب أوراقي من الجامعة.. ولكن نفسيتي أصيبت بالإحباط وتدهورت حالتي الصحية لدرجة أنني أصبحت أتردد على الطب النفسي!
لقد يئست.. وأصبحت أتمنى لو لم أولد في هذه الحياة.. لقد فكرت في الانتقام من أخي وأبي بتلطيخ سمعتي وسمعتهما.. لكنني تراجعت واستغفرت ربي.. بالله عليك ماذا أفعل.. وأنا فتاة لا ذنب لها سوى أنها ولدت في قبيلة لا تعرف سوى العادات والتقاليد الصارمة؟
أرجوك أن تنشر رسالتي بأقصى سرعة.. وأن ترد عليها لأن الأفكار السوداء تتلاعب بعقلي.
فتاة ضائعة.
٭ آه.. ماذا أقول؟
إنها أقرب إلى جريمة قتل والقاتل فيها هو الجهل.. الجهل الأسود مازال يعشش في بعض القلوب.. يا ناس نحن عرب نعتز بعاداتنا وتقاليدنا.. عادات الأصالة والشهامة والرجولة الحقة والكرامة.. لا عادات الجاهلية التي كانت تئد الفتيات بعد ولادتهن لمجرد أنهن فتيات.. ووالله لو كان والد هذه الفتاة قد قتلها فور ولادتها لكان أرحم لها ألف مرة من أن يقتلها «معنويا» بعد أن تكبر.
«أتمنى» أن يعدل الأب والأخ عن موقفهما.. وإذا لم يفعلا.. فلا أملك لصاحبة المشكلة أيضا سوى أن «أتمنى» أن ينقذها الله بالزواج. ويكون زوجها كريما فيسمح لها بمواصلة تعليمها. لتضيء بنور العلم. وتنشئ أطفالها عليه، ليكونوا مواطنين صالحين لأنفسهم ولوطنهم.
«البيوت أسرار» ..ولا يحق لأحد أن يدخل بيتا
دون استئذان لكن إذا فتح البيت بابه وقلبه
لأخيه الإنسان فقد يجد في ذلك راحة وتفهما
للتواصل
[email protected]
إعداد: محمود صلاح