هل أساعد زوجتي.. في أعمال المنزل؟!
أنا زوج حديث الزواج. تزوجت منذ 3 سنوات فقط، وقد مرت وكأنها ثلاثة شهور، أو شهر عسل طويل، ولقد أكرمني الله بزوجة رائعة.فهي جميلة، وهي من أسرة طيبة وعلى خلق، لم تهمل او تقصر في حقي يوما، ورغم انني لم أكن أعرفها قبل زواجنا، الا ان عشرتها الطيبة قد ملكت قلبي، وأحببتها بالفعل.
وبدون الدخول في مقدمات لا طائل منها، في الفترة الأخيرة، بدأت في أحاديثها تحاول ان تفهمني ان المسؤولية كبيرة عليها في البيت، لأننا ليس لدينا خادمة، لكني أبدا لا أستطيع الاقتناع برأيها. خاصة انها بدأت تلمح الى اني يجب ان أساعدها في أعمال البيت. كيف ذلك؟ أنا رجل لا يجب ان أمسك بماكينة النظافة، أو أغسل بعض الصحون في المطبخ، وهل هذه وظيفة الرجل؟ لا، بالقطع، وهي وظيفة المرأة وواجبها. وإلا لماذا يتزوج رجل امرأة؟ أليس لكي تخدمه وترعاه؟ وتوفر له طلباته؟
هذه هي يا أخي رؤيتنا نحن الرجال في الشرق، او في بلادنا الشرقية، فمعظم الرجال ينظر الى الزواج والى المرأة بهذه النظرة نفسها، نحن نرى المرأة جارية وخادمة وواجبها الأصيل، ربما الوحيد، ان تخصص نفسها ووقتها وجهدها لإرضاء الرجل بأي شكل، حتى لو كان يطلب ما هو فوق الحد، بل وأحيانا المسموح، الرجل في بعض البلاد هو شخص واحد على صورة «السيد احمد عبدالجواد» الشهيرة في ثلاثية نجيب محفوظ. رجل البيت هو ذلك القوي المسيطر. وتبدو الى جواره شخصية زوجته «أمينة» التي سحق شخصيتها. ويعاملها بنظرة «فوقية» فهو السيد وهي مجرد الزوجة والأم ومديرة البيت، ورغم كل مباذله الشخصية، وحياته السرية مع النساء خارج البيت، الا انه لا يتورع ان يطردها من البيت، الى بيت امها، لأن أولادها أقنعوها وهو مسافر بأن تخرج من البيت لتزور سيدنا الحسين، فوقع حادث وانكسرت رجلها. ورغم انه كان يحبها الا انه طردها من البيت بكل غلظة.
أغلبنا يا أخي «السيد احمد عبدالجواد»، وأغلبنا ينظر الى المرأة او الى زوجته تحديدا بنفس النظرة، ونحن نتجاهل، ننسى او نتناسى ما تقدمه الزوجة طوال حياتها من تضحيات وتعب من أجل إرضاء الرجل ورعاية الأولاد، وخدمة البيت وكل هؤلاء، وكثير من الزوجات، يبذلن يوميا جهدا في إعداد الطعام للأسرة، من اول الافطار، الى الغداء الى العشاء، ناهيك عن مهمة تنظيف البيت وهي ايضا يوميا، ثم تلبية طلبات الرجل الشخصية، وهذه في اي وقت، دون مراعاة لكونها متعبة او مرهقة او مريضة، واذا شكت او بكت، فانها لا تجد من زوجها تفهما ولا مساعدة، بل يتضايق من حديثها وطلبها المساعدة، هكذا يفعل الرجل الشرقي عادة في مثل هذا الموقف. وهكذا أنت فعلت يا صديقي.
نعم، قد يرى بعض الرجال، في مسألة مساعدة الزوجة في أعمال المنزل حرجا، ومسألة يصعب تقبلها، يعني أغسل المواعين وأنا السيد احمد عبدالجواد؟!
عن نفسي.. أقول لك نعم.
انا يا أخي لا أخجل من مساعدة زوجتي، وأم أولادي، في بعض أعمال المنزل، لأنها ليست جارية ولا خادمة.. هي إنسان مثلي يعمل ويتعب، وكثيرا ما تكون الأعباء أكثر مما تتحملها، وتكون احيانا فعلا محتاجة الى المساعدة، او ليست قادرة على بذل نفس المجهود أغلب الوقت، هي زوجة وليست ماكينة حديدية، لا تتعب ولا تزهق، ولا تتأثر بالخدمة المتواصلة!
نعم يا أخي.. هكذا لا أتردد في مساعدة زوجتي وأم أولادي في بعض اعمال المنزل، قلت هي زوجتي وأم أولادي، واكثر المخلوقات قربا لي.
وهكذا أتمنى أن أفعل، لأنني لا أستطيع ان أساعدها، ليس جهلا ولا كسلا، وإنما لأنها أصلا غير موجودة، وقد توفاها الله، فلم أعلم قيمتها وقدرها إلا بعد ان رحلت عن الدنيا كلها.
وبغض النظر عن العشرة والمشاعر فإن قناعتي أنها ايضا مسألة دينية، لا ينكرها ديننا الحنيف، بل أمر هذا الدين الزوج بحسن معاملة الزوجة، ورعايتها، ولنا في رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم أروع القدوة.
ساعد زوجتك يا أخي، بمنطق انها انسانة وأنك مسؤول عنها وهي مسؤولة منك.. ساعد زوجتك التي تحملت آلام الحمل الصعبـــة، طوال 9 شهور كلما أنجبت لك ابنا او ابنة، ساعد زوجتك التي تنظف بقاياك من على المائدة كل يوم.. ساعد زوجتك فربما اذا ساعدتها ان تزيد المساعدة من روابط المحبة والألفة والرحمة بينكما!
ساعدها يا أخي.
المغتاظ: أ - ف
أنف جارتي .. في بيتنا؟
لي جارة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. بيتها ملاصق لبيتي.. ومن يعرفها يمكن في البداية ان ينخدع بمظهرها، على وجهها ملامح طيبة كاذبة، ولسانها حلو، تجيد الكلام، لكنني مع الأيام اكتشفت فيها رذيلة لا تطاق، وهي انها فضولية فوق الحدود.. وقد اكتشفت انه لا شيء يشغلها في الحياة إلا معرفة أسرارنا وتفاصيل حياتنا، وأن أخبارنا عندها أولا بأول.
وقد سمعت من كثير من صديقاتي بعض اخباري الخاصة، والتي لم يكن احد يعلمها سوى جارتي هذه!
وقد ضبطتها ذات يوم تتلصص علينا من باب البيت عندما فتحته فجأة، فارتبكت وتلعثمت، وقالت انها كانت على وشك ان تدق جرس الباب، لكن الوقت لم يكن وقت زيارات.
وأنا حائرة، لا أعرف ماذا أفعل مع هذه الجارة التي تدس أنفها في شؤون حياتنا الخاصة.
إنها تريد ان تعرف.. ماذا نأكل؟ وماذا نشرب؟
وتريد ان تعرف كيف نعيش، هل نحن في وفاق؟
هل نحن متخاصمون؟.. من تشاجر؟ ..ولماذا؟.. ومن أخفق في امتحاناته؟.. وأين سنقضي إجازة نهاية السنة؟
تريد أن تعرف كل شيء!
كان الله في عونك سيدتي، فعلا مصيبة ان يبتلى الإنسان بجارة او جار من هذا النوع، وهو للأسف منتشر الآن. لا أدري لماذا؟! ومثل هذه النوعيات الفضولية أصبحت موجودة في كل مكان، حتى في أماكن العمل.
ولقد نهى الدين الإسلامي عن التلصص على الناس، وأمر بأن ندخل البيوت من أبوابها، لا أن نقف خلفها لنسترق السمع، وهناك حكايات كثيرة تدين هذه النوعية الفضولية من الناس.
وقد حرص الإسلام على حسن معاملة الجار، ولنا أسوة بنبينا صلى الله عليه وسلم، في حكايته مع الجار اليهودي الذي كان يؤذيه، ويلقي بالفضلات على باب بيته، فلما غاب خشي النبي صلى الله عليه وسلم ان يكون قد حدث له مكروه، وعلم انه مريض، فذهب ليعوده في بيته، لكن الاسلام في الوقت نفسه قد نهى عن التجسس على الناس، (ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا).
أما ماذا تفعلين؟.. فإنني أقترح عليك ان تعرضي الأمر على مجموعة من جاراتك، وأن تقدمي لهن الدليل على فضول هذه الجارة المزعجة، ثم ترسلي اليها دعوة إلى لقاء في بيتك ومعك هذه المجموعة من الجارات. وبعيدا عن الانفعال تواجهينها بفضولها المزعج.
وأظن ان هذا اللقاء سيكون بمثابة فضيحة لها أمام بقية الجارات والصديقات، فضحية ربما توقفها عند حد الأدب، وتمتنع عن سلوكها هذا، وتسحب أنفها من بيتك. وحياتك الخاصة.
اللهم، وكما يقولون: لا تجعل لنا جارا.. له عينان!
«المغتاظة»: س.ع
لماذا يكره الأزواج بعضهم بعضاً؟!
لا أتحدث عن نفسي، أو عن بيتي، لكني أرى حياة الناس حولي، سواء من الأقارب أو المعارف او الأصدقاء، فأكتشف ان كثيرا من الزيجات وهمية، وأزعم ان بعض من عرفتهم من الأزواج والزوجات يعيشون حياة زوجية تبدو لمن لا يعرفهم سعيدة أو مستقرة، بينما هم أعداء يعيشون في بيت واحد، الزوج يكره زوجته والزوجة تبادله نفس الكراهية!
ولماذا يكره زوج زوجته.. ولماذا تكره زوجة زوجها؟
ذلك هو سؤالي..
ما تقوله يا أخي ليس فيه مبالغة لكنه لا ينطبق على الجميع، وما تقوله قد يكون صحيحا، لكنه ليس ظاهرة بل استثناء في بعض الحالات.
وفي كتابه «أمراض الزوجية» يقول د.سامي محمود ان الزواج مسألة اجتماعية تخضع لمعايير كثيرة وان كان البعض قد جمع هذه المعايير في كلمة واحدة هي «النصيب»، لكن الزواج بالتأكيد له أسس بعضها اجتماعي وبعضها اقتصادي، وهناك أيضا الجانب الوجداني، ما يجعل الزواج مسألة معقدة لأن انسجام الطرفين على كل هذه الأسس لا يتوافق في بعض الأحيان.
ويقول: لايزال البعض حتى اليوم يقبل على الزواج بدوافع اجتماعية ارثية كزواج أولاد العم أو أبناء الجيران، وهناك زيجات تتم بدوافع اقتصادية تتحكم فيها المصالح المادية بصرف النظر عن العواطف والمشاعر. وهي صورة يصعب فيها التكيف بين الزوجين، وان كان بعض الازواج ينجحون في عمل نوع من الانسجام رغم ان زواجهم قام على مصلحة أو رغبة الآباء مثلا.
ولكن يلاحظ ان أكثر الزيجات التي تتم على مصلحة مادية، أو التي يتحكم في إتمامها الآباء نتيجة وعود قديمة أو تلك التي يكون فيها فارق السن بين الزوجين كبيرا، يلاحظ وجود نوع من الرفض أو الكراهية المقنعة بين الزوجين أو أحدهما وهي كراهية لا تبدو غالبا على السطح، لكنها تجعل من حياة الزوجين لحنا كله نشاز وفوضى.
ويضيف د. سامي محمود ان من العوامل التي تخلق كراهية بين الزوجين كثرة الشجار والمشاحنات بين الزوجين، ورب كلمة جارحة أو فعل مشين، يحرك كوامن النفور والكراهية، التي تؤثر على جميع مناحي الحياة الزوجية. فقد تكره المرأة في زوجها صفات أو خصالا ثم تستقر هذه الكراهية داخلها. قد يكون الزوج سكيرا أو بخيلا أو مقامرا أو سليط اللسان يعاملها بقسوة ويضربها، وفي بعض الأحيان تكره المرأة في زوجها دمامته وقبح منظره.
ويروي المؤلف حكاية أو خلع في الاسلام، فقد روي عن ابن ماجة ان حبيبة بنت سهل كانت زوجة لثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلا دميما أي كريه المنظر، فقالت: يا رسول الله، والله لولا مخافة الله اذا دخل علي بصقت في وجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟
قالت: نعم.
وردت له حديقته.
قال ابن ماجـــة: ففرق بينهـما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية أخرى ان عكرمة روى عن ابن عباس، قال: أتت اخت عبدالله بن ابي الى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأسه أبدا. اني رفعت جانبا من الخباء ـ الخيمة ـ فرأيته أقبل في عدة مجموعة من الشباب فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها.
فقال: أتردين عليه حديقته.
قالت: نعم.. وان شاء زدته.
ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما.
ويستطرد د. سامي محمود: الزوج أيضا قد يضمر الكراهية لزوجته ويجد في نفسه نفورا منها، وهو في أحيان كثيرة لا يدرك لذلك سببا. وقد تكون كراهية الزوج لزوجته لسبب خارج عنها، مثلما يتم اجبار الرجل على الزواج من فتاة معينة بضغوط معينة، قد يكون بعضها اجتماعيا أو اقتصاديا، كما ان الرجل الذي يتزوج من امرأة شرسة عصبية متسلطة بذيئة دائمة الشجار يشعر بالاشمئزاز منها ويكرهها.
وفي بعض الحالات يكون الزوج قد مر بتجربة حب جارف مع فتاة وتمنى ان يعيش معها بقية عمره، لكن الظروف غير المواتية تمنعه من زواجها، وهذا يكون لا شعوريا نافرا من أي زوجة أخرى ويهرب من بيتها أغلب وقته.
ويعدد المؤلف أسبابا أخرى للكراهية الزوجية. فيقول: هناك الزوجة التي تجرح شعور زوجها بكلمة أو لفتة ساخرة، لا تدري انها قد تدمر كرامته، وقد يتصور هو او تتصور هي ان الموضوع سوف ينسى بعد فترة وينتهي، لكنه يترك في النفس جرحا غائرا يؤثر بالسلب على المشاعر ويحركها في الاتجاه المضاد.
وهناك الزوجة الطموحة التي لا ترضى الا بما يفوق امكانيات زوجها وعندما تجد زوجها عاجزا عن تحقيق طموحاتها فإنها تنفر منه، والزوجة قد تكرهه وتسقطه من عينيها اذا كان ضعيف الشخصية أو صبيانيا غير قادر على تحمل المسؤولية، لأن المرأة ترغب في زوجها بأن يكون رجلا بمعنى الكلمة يحميها ويكون له قدر من المهابة بين الناس.
ويقول: وغالبا ما لا يصرح الأزواج الذين يكرهون بعضهم بهذه الكراهية، فالزوج أو الزوجة لا يقول أي منهما للآخر انه يكرهه، بل يأتي بتصرفات تؤكد هذه الكراهية، وتخلو الحياة الزوجية من الحنان والدفء والمودة.
(م.ع.)
رحم الله.. زوجك وزوجي!
هأنذا ابدأ من جديد رحلة الكفاح للمرة الثانية.. وقد ضاع من العمر معظمه، والله اعلم بما تبقى.. من جديد ادخل صراع الحياة القاسية بقلب محطم كسير ونفس حزينة لا تفارقها ذكرى الماضي الاليم.
اتذكر رحلتي الماضية.
خليط من السعادة والشقاء.. الراحة والعذاب.. الحب والحقد.. ومعان اخرى كثيرة لا يمكنني التعبير عنها.
كان رفيق الطفولة.
فهو ابن خالتي.. ولدنا في البيت نفسه.. كان يكبرني بثلاث سنوات.. نشأنا معا.. وشهدت ملاعب الطفولة احلاما بريئة وذكريات حلوة ربطت بيننا حتى الصبا وفتحت عيني كفتاة صغيرة كان هناك دائما.. يساعدني في دراستي.. يرافقني في جولاتي.. يقضي معي معظم الوقت.. كل ذلك والاهل يرحبون ولا يرون اي غرابة في ارتباطنا الدائم.. كنا مثل اخ واخته.. لكني حين دخلت الجامعة لاحظت ان معاملته بدأت تتغير.. بدأت يتحسب كثيرا من الحديث.. حتى نبرة صوته اختلفت.. وكأنني لست نفس الطفلة التي لعب وتشاجر معها في سنوات الطفولة واكتشفت انه كبر.. وانني كبرت.
وفي نفس الليلة التي احتفلت فيها بنجاحي في عامي الجامعي الاول، حضر مع والدته ووالده يحملون الهدايا، كان متأنقا مشرقا فوق العادة.. ولاحظت ان خالتي قد اختلت بوالدتي وانسحبتا في هدوء من وسط الجمع الى غرفة بالداخل، بينما ارتبكت نظراته وهو يسألني في خجل ان نخرج لدقائق الى الشرفة.. وبعد صمت طال لدقائق، قال لي: والدتي تتحدث الآن مع والدتك.
قلت: اعلم، وقد شاهدتهما تنسحبان، ما الغريب في ذلك؟
قال: هما تتحدثان في امر مهم.
لم افهم مراده، وان كنت قد احسست بارتباكه يزيد.
واخيرا قال: هما تتحدثان عنك.
نظرت اليه وفي لحظة اشرقت كل شيء في اعماقي، ها هو رفيق طفولتي قد اصبح رجلا وسيما على وشك التخرج من الجامعة، وانبأني احساسي بأن الحديث الدائر الآن بين الاختين ليس الا عن ارتباط ثان بينهما عبر رباط الاخوة، ادركت انه يريد ان يطلب يدي.
ويبدو انه قرأ على وجهي ما كنت افكر فيه.
سألني: ما رأيك؟.. لم ارد.
قال بحيرة: ما رأيك في زواجنا؟.. سكت.
قال وحيرته تطل من عينيه: ما رأيك؟.. ابتسمت، ولم اعرف ماذا اقول... واخيرا قلت له: ألا تعرف ما يقولون؟
سألني: ماذا؟.. قلت والفرحة تزغرد في قلبي: السكوت.. علامة الرضا.. لم تكن حياتنا الزوجية سهلة.
فقد اصر على ان يتم الزواج بمجرد تخرجه من الجامعة وحصوله على وظيفته كمدرس باحدى المدارس، كنت لم اكمل دراستي بعد، وكان على ان اسرع في الصباح لحضور محاضراتي ثم اهرع الى البيت قبل وصوله بساعة تقريبا لإعداد الطعام، وزاد الامر صعوبة في العام التالي بعد ان انجبت اول اطفالنا.. وكانت والدتي تحضر في فترة الصباح لرعايته، وفي العام التالي زاد عدد افراد الاسرة بوصول طفلتنا الثانية، وحاولت قدر جهدي المحافظة على كل شيء، رعايته ورعاية الطفلين والبيت ثم الاهتمام بدراستي التي كنت على وشك الانتهاء منها.
وأعترف أن حبه وتفانيه في العطف كانا الحافز الاول الذي دفعني لتحمل كل هذه المسؤولية، وكانت فرحتي عظيمة عندما حصلت على وظيفة مدرس قبل اعلان نتيجة تخرجي من الجامعة، فقد كان علي ان اساعده في تحمل اعباء الحياة، وكانت كثيرة حتى على اسرة صغيرة مثل اسرتنا.. ولذلك، عندما عاد ذات يوم فرحا ليبلغني ان اسمه جاء بين اسماء المدرسين المعارين للكويت لم تسعني الفرحة، وايقنت ان ايام المعاناة قد انتهت، وما هي الا اشهر وانتهى العام الدراسي ومن بعده الإجازة الصيفية، ورحل زوجي للكويت على وعد بأن يبذل قصارى جهده لالحق به مع الطفلين في اول فرصة.. وقد حانت هذه الفرصة بعد عام من سفره.
استطاع اخيرا ان يدبر امر سفرنا، وهبطت الى الكويت مع الطفلين لاجده في انتظارنا بالمطار، كان سعيدا للغاية، وخلال دقائق كنا قد وصلنا الى البيت الذي اعده لإقامتنا خلال سنوات الاعارة، ورغم انها كانت مجرد شقة صغيرة الا انها كانت مزودة بما يمكن ان نحتاجه، والاهم من ذلك كله ان شمل اسرتنا قد اجتمع.
ورغم ان راتبه كان يكفي ويزيد الا انني حاولت اقناعه بالبحث عن وظيفة لي، خصوصا بعد ان التحق الطفلان بالمدرسة، واخيرا وافق، وبعد اشهر عثرت على وظيفة في احدى الشركات، وبدأت حياتنا تستقر بعد ان اطمأن كل منا على ان دخلنا معا يكفي لحياتنا ولتأمين مستقبل طفلينا، كنت اعطيه راتبي اول كل شهر بعد ان استقطع منه ما يغطي مصروف يدي القليل، وكان يضعه مع راتبه ويأخذ فقط ما نحتاجه خلال الشهر من مصروفات وايجار للشقة الجديدة التي انتقلنا اليها بعد ان انتهت سنوات اعارته!.
لن اطيل عليك.. وعندما وصل الولد والبنت الى نهاية مرحلة الدراسة الثانوية واصبحا على وشك الالتحاق بالجامعة قررنا ان نعود معهما للوطن ليكملا دراستهما الجامعية هناك، على ان يبقى زوجي في الكويت لمدة ثلاث سنوات اخرى ويعود بعدها نهائيا للوطن.
سافرت مع الولد والبنت، وعانيت الكثير لكي اكون الام والاب معا لهما، خصوصا انهما كانا يمران بمرحلة المراهقة، وما اصعب مشاكل هذه المرحلة، لكن خطابات زوجي لم تنقطع وكانت تشد من أزري وتقويني وتساعدني على الاحتمال، خاصة انها كادت اول سنوات اعيش فيها بعيدا عن زوجي وأتحمل مسؤولية قرارات الحياة ومراقبة أولادي.
لكن السنوات مضت.. وفي العام نفسه الذي تخرج فيه ولدي في الجامعة وأصبحت أخته على وشك اللحاق به، عاد زوجي اخيرا الى الوطن.. واستقبلته بشوق عارم. وتنفست الصعداء لوجود رجل البيت في مكانه.. وليلة عودته بعد ان احتفلنا وانصرف الولد والبنت الى حجرتيهما، قال لي زوجي: آن لك ان تعرفي كل شيء..!
سألته: عن ماذا؟
قال: عن رصيد رحلة الشقاء، تعرفين بالطبع اننا اشترينا شقة لكل من الولد والبنت ووضعنا 30 الف دولار في البنك لكل منهما للمستقبل، وقد تبقى 50 الف دولار لي ولك، فماذا تريدين ان نفعل بها؟
قلت له: كما تعودنا.. انت صاحب القرار.
قال: إذن تبقى في البنك باسمي، وهي بالطبع رهن إشارتك اذا احتجت.
قلت: لا أحتاج شيئا غير وجودك معنا.
ما حدث بعد ذلك كان أغرب من الخيال!
بعد شهر واحد ساءت صحة زوجي جدا وتدهورت بسرعة، وقال الأطباء ان قلبه ضعيف ويحتاج الى الراحة وذات ليلة آوى الى فراشه مبكرا، وفي الصباح حملت اليه إفطاره ودواءه لكنه لم يستيقظ، كان قد فارق الحياة.
كانت مصيبتي عظيمة في زوجي وحبيبي وابوعيالي، فارقني وحيدة في هذه الحياة التي لم أعرف لها طعما الا معه.
ولاحظت في اليوم التالي وجود سيدة غريبة ترتدي ملابس الحداد ونظارة سوداء ولم أستطع معرفة شخصيتها، وظننتها حضرت مع احدى قريباتي، لكنها عادت في اليوم الثالث وظلت في مكانها حتى انصرف معظم الموجودين، واخيرا نهضت لتقترب مني بعد ان خلعت نظارتها واكتشفت جمالها الواضح!
قالت لي بحزن: خالص العزاء.. لنا!
لم أفهم ماذا تعني.
لم أعرف لماذا كانت تصر على الحديث بصيغة الجمع وإقحام نفسها في الأمر.. ووجدت نفسي أسألها: هل كنت تعرفين المرحوم؟!
قالت هامسة: نعم أنا زوجته!.
(امرأة ضاع عمرها: ف. خ.)
«البيوت أسرار» ..ولا يحق لأحد أن يدخل بيتا دون استئذان لكن إذا فتح البيت بابه وقلبه لأخيه الإنسان فقد يجد في ذلك راحة وتفهما.للتواصل:
[email protected]
إعداد: محمود صلاح