Note: English translation is not 100% accurate
الجاسم: نافسوا الناس في الخير والإحسان ولا تنافسوهم في الشر والفساد
6 ديسمبر 2010
المصدر : الأنباء

الواصل الحقيقي للرحم من يصل من قطعه من أرحامه لأن فيه ابتداء بالمعروف والإحسان
صلة الأرحام من أخلاق العرب المباركة التي فطروا عليها وتوارثوها عن الأنبياء وعززها الإسلام
لا يلـزم أن تكـون الصلة بالأبدان بل يكفي الاتصال والمراسلة خاصة إذا بعدت المسافات وتعسرت الزيارة
لا تجـب زيـارة الأقــارب والأرحام في جميع المناسبات خاصة للزوجة التي يجب أن تستأذن زوجها في الخروج
لما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الوحي، ودخل بيته خائفا يقول «زملوني زملوني»، طمأنته خديجة رضي الله عنها، وخاطبته بلسان الفطرة السليمة قائلة «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»، فكان في قولها دلالة على أن العرب قبل الإسلام يوقنون بتوفيق الله للواصل رحمه وبمباركة أعماله وإحياء ذكره، هذا ما أكده الإمام والخطيب في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الداعية خالد الجاسم. وأضاف في حواره مع «الأنباء» أن أحاديث فضل صلة الأرحام ليست في المكافئ الذي يصل من وصله، لأنه ليس في ذلك إحسان زائد، بل هذا الوصل من باب رد الإحسان والجميل للآخرين فقط، وإنما هي في الواصل الحقيقي الذي يصل من قطعه، قال النبي صلى الله عليه وسلم «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها»، داعيا المسلم الواصل إلى أن يحتسب الأجر والثواب في صلته لأرحامه ولو قاطعوه لأنه يتعامل مع الله ويعامل الآخرين بأخلاقه الرفيعة لا أخلاقهم الدنيئة. وأوضح الجاسم أنه لا تشترط في صلة الأرحام أن تكون الزيارة بالأبدان، لافتا إلى إمكانية التواصل عبر الهاتف أو الرسائل، خاصة إذا تباعدت المسافات ووقعت المشقة أو لم يأذن ولي الزوجة بالزيارة لضيق وقته ولانشغالها برعاية بيته، «الأنباء» التقت الجاسم للحديث معه حول أهمية صلة الأرحام وما يتعلق بها من مسائل مهمة،
وفيما يلي تفاصيل اللقاء:
نود أن تذكر لنا في البداية شيئا من فضل صلة الأرحام، خاصة ونحن في زمان تنتشر فيه ظاهرة قطيعة الأرحام.
صلة الأرحام من الأخلاق الفاضلة التي دعا إليها الإسلام، وأمر الله ونبيه بصلتها، ونهى الله ونبيه عن قطعها، وتوعد بالعذاب الشديد لمن قطع أرحامه، فقال تعالى (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم)، وكلما كانت الرحم قريبة كان البر بها أوفى وأعظم، قال سبحانه (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)، وقد اشتق الله عز وجل اسم الرحم من الرحمة ومن اسمه الرحمن، ففي مسند الإمام أحمد وصححه الألباني «قال الله تبارك وتعالى أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته»، وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال لها: مه! قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذاك»، فرضيت الرحم بهذا الوعد والعيد الإلهي، ويدخل في معاني الوصل كما في الحديث السابق الذي وعد الله به المسلم الواصل لرحمه وصول الخير والحسنات إليه، وهدايته إلى سواء الصراط وإلى مراضيه سبحانه، وإلى ما ينفعه في أمر دينه ودنياه، والضد بالضد فإذا قطع الإنسان رحمه قطع الله عنه أبواب الخير، وأعمى بصيرته فلا يميز بين الخير والشر، وما ينفعه وما يضره، ولا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، وهذا بلا شك من أقصى العقوبات.
بركة صلة الرحم
هل خلق صلة الرحم كان عند العرب قبل الإسلام؟
لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث بالحنيفية السمحة، كان من جملة ما بعث به إصلاح ما فسد من دين الناس، وكذلك تأكيد وتعزيز بعض صفات الخير والمعروف التي كانت تعرفها العرب، ففي الحديث النبوي «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فكان عند العرب نخوة، لكن كانت في الحق والباطل، فجاء الدين يقومها ويقصرها على أمور الحق، وكذلك كان الكرم معروفا عند العرب، لكن قد يقع فيه بعض المبالغات، فأتى الإسلام فضبطه، وجعله وسطا بين الإفراط والتفريط، ومن جملة الأخلاق التي تناقلها العرب جيلا بعد جيل يقينهم بأن الله ينصر ويوفق من كان يصل أرحامه، ولعلهم توارثوا هذا الخلق من بقايا الأنبياء، فلما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الوحي، ودخل بيته خائفا وجلا يقول «زملوني زملوني»، قالت له خديجة رضي الله عنها وذلك قبل إسلامها بلسان الفطرة السليمة «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»، فالله يبارك في أعمال الواصلين ويحيي ذكرهم أحياء وبعد الممات، وهذا ما أكدته الشريعة بعد ذلك.
الفضل للواصل وليس للمكافئ
لكن بعض القاطعين للرحم يتذرعون بالقطيعة بكونها لم تبدأ منهم، وإنما هم يقطعون أرحامهم وأقاربهم مكافأة لقطيعتهم إياهم، ومن غير المعقول أن أصل من قطعني، فماذا يقال لمثل هؤلاء؟
لا شك أنها شبهة شيطانية، وليعلم أن الأحاديث في فضل صلة الأرحام وفي الواصل، ليست فيمن وصل من وصله، لأنه ليس في ذلك إحسان زائد، بل هذا الوصل من باب رد الإحسان والجميل للآخرين فقط، فأنت تحسن إلى من أحسن إليك، وتزور من زارك، وليس في هذا منة، لكن الواصل الحقيقي هو من يصل من قطعه، ولذلك فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين هذا وذاك، فقال «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها»، وأما من يقطع من يصله فأمره أشنع وأقبح، لأنه سيدخل في قضية سوء الطباع والمعاملة وسوء العشرة.
ثانيا: نقول لهؤلاء هل تريدون الأجر أم ثناء الناس عليكم؟ فإن كنتم تريدون الأجر والثواب من الله فلا تنتظروا من الآخرين رد الزيارة ولا المكافأة، ولنعش مع هذا الحديث النبوي الشريف، جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، قال له عليه الصلاة والسلام: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولايزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم، والمل هو الرماد الحار، فكأنه شبه ما يلحقهم من الألم والإثم بما يلحق آكل الرماد الحار، رغم أن الناظر لحالنا يرى أن الغالب ستكون ردة فعلهم «افعل كما فعلوا معي، واقطعهم كما قطعوني»، لذا ما كان من المربي الكريم الرحيم صلى الله عليه وسلم إلا أن علم الناس الكرم والإحسان، ونقول يا إخوان نافسوا الآخرين على الطيب والخير ولا تنافسوهم على الردى والسوء والفساد، فالمنافسة الحقيقية هي في الخير، وينبغي ألا نرضى بالأخلاق الدنيئة، إن الله يحب معالي الأمور والأخلاق ويكره سفاسفها، فنزه نفسك عن منافستك للناس في سفاسف الأخلاق وسوء الطباع، «خلي الردى للردي»، ولتكن نفسك أعز وأشرف من أن تهينها تلك الإهانة، فإذا هو أساء فلا تقابل إساءته بإساءة بل بالإحسان، وقابل الجهل بالحلم والقطيعة بالوصل.
وفي الحديث أيضا دلالة على أن من يصل من قطعه أن الله ناصره عليهم ومعينه، ويحبب الناس فيه، وهذا ملاحظ فقلما تجد واصلا إلا وله ثناء عند الناس عليه، فينبغي أن يغتنم الإنسان ما مضى من عمره وأفسده في دهره فلا يخرج من هذه الدنيا وفي ذمته مطلبة من قطيعة رحم.
حرمان المغفرة
هل من مزيد كلمة تحذر بها من يكابر ويعاند ويزعم أنه في غنى عن هذه الفضائل التي ذكرت في حق واصل الرحم؟
يكفي أن قاطع الرحم وهاجر قرابته يحرم مغفرة الله عز وجل، فقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء»، هذا بين الأصدقاء والإخوان فكيف لو كان مع الأرحام؟ أو مع من هو أكبر منك سنا؟ أنت بذلك تكون حرمت نفسك المغفرة.
الزيارة بالأبدان
وهل تلزم الزيارة بالأبدان كي تتحقق فضيلة صلة الأرحام؟
لا يلزم أن تكون الصلة بالبدن، فالزيارة بالبدن صورة من صور صلة الأرحام، حيث يمكن أن يكون الإنسان واصالا ببدنه وكذلك بماله، أو عن طريق الاتصال الهاتفي أو عن طريق إرسال الرسائل، فكلها شكل من أشكال صلة الرحم، خاصة في ظل هذا التقدم وتباعد بعض الأرحام عن بعض، فيفعل المسلم ما يتيسر له، والمهم هو ألا يقطع أرحامه بصورة من هذه الصور.
ولنعط النساء حقهن كذلك، فهل من كلمة للرجل الذي قد يضيق على زوجته في زيارتها لأرحامها وأقاربها؟
نقول له: احتسب الأجر، وافعل ما لا يشق عليك، وإن استطعت أن تشارك زوجتك الأجر والثواب في إعانتها على صلة أرحامها فافعل، وإلا فتكفي الرسالة والاتصال، وفي الختام أود شكر القائمين على صفحة «خواطر إسلامية» هذه الصفحة الطيبة التي تفيد الناس في دينهم ودنياهم، وأسأل الله أن يوفقهم إلى نفع الناس وإسداء الخير لهم.