Note: English translation is not 100% accurate
العدد الجديد من صفحة رابطة علماء الشريعة: الأمانة وأخلاقيات التعامل
28 سبتمبر 2011
المصدر : الأنباء

كلمة العدد للشيخ د.عجيل جاسم النشمي
رئيس رابطة علماء الشريعة بدول مجلس التعاون الخليجي
الأمانة وأخلاقيات التعامل
يضج العالم اليوم من انحراف أخلاقيات التعامل وضياع الأمانة في ميدان المهن أيا كانت إدارية أو إشرافية أو قيادية أو ديبلوماسية أو حتى نيابية.
لقد آمنت النظم الوضعية بإعطاء الفرد حرية مطلقة، بلا قيود أخلاقية من دين، ثم هي تريد منه في الوقت ذاته أن يتحلى بأخلاقيات التعامل أو أخلاقيات المهنة، في حين أن منبع أخلاقيات التعامل إنما هي الأخلاق الذاتية على التحقيق، كما أنها تفصل بين الدين والسياسة، وأخلاقيات المهن في حقيقتها سياسة، سياسة التعامل في المال والاقتصاد، وهو عصب الحياة الاجتماعية والسياسية. يريدون أخلاقيات مهنة الرقيب فيها القانون، والقانون مادة جامدة هامدة لا تحيي قلبا يخلص في العمل، وإنما تنمي أساليب التحايل لمن ضعف ضميره كلما أمكنه ذلك.
إن محنة العالم اليوم أن الأخلاق عنده مادة لا روح فيها، أو مهنة الأخلاق فيها بقدر المصالح المرتجاة، فالتمسك بالأخلاق مقياسه المصالح الذاتية قربا أو بعدا بلا قيد من ضمير أو دين، فحيثما كانت المصلحة فثم العمل والتفاني فيه.
فالأزمة المالية العالمية أو النكبة المالية التي عصفت ومازالت تعصف باقتصاديات الدول الكبرى والصغرى هي أزمة أمانة وأخلاق قبل أن تكون أزمة مالية، وهي أزمة افتعلها الكبار، ولم يقترف إثمها الصغار الفقراء. وعلى قدر الجرم والمجرم تكون الآثار المدمرة. فالأزمة بدأت بالجشع وهو زيادة الثروات بأي طريق فكان طريق الربا هو المحقق لهذا الجشع، لأنه توليد المال للمال دون جهد أو مخاطر تذكر، فتعطي مالا ثم تأخذ أكثر منه من أجل مجرد القرض أو لمجرد الأجل، وهو طريق أسهل وأسرع من طريق اجتماع المال والعمل. والطريق الثاني للكسب السريع هو الرشوة، وهاتان آفتان تنتميان إلى الدائرة الأكبر وهو تضييع الأمانة، وإذا كان ذلك في بلاد لا تؤمن بالله قد نجد لهم التبرير، ولكن لا مبرر في بلاد المسلمين، وأشد من ذلك أن تكون في بلاد الوفرة المالية مثل بلادنا، وأنكى من ذلك كله إن كان الآخذ والمعطي هم المؤتمنون على الحقوق والأموال. إن الرشوة هي قمة الفساد وإذا انتشرت في بلد فقد تودع منها، وهذا هو السر في الأحاديث المشددة المحذرة منها إلى درجة الطرد من رحمة الله، فقد «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش» وهو الوسيط بينهما. والرشوة صورة من آفة تضييع الأمانة، وهي قمة الخيانة ونذير الهلاك وقرب الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة» وقال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة». ولا حول ولا قوة إلا بالله
قضايا معاصرة للشيخ د.ناظم المسباح
الشيخ د.ناظم المسباح
التغيير المطلوب
من المعلوم أن السلطتين التشريعية والتنفيذية هما الركيزتان الأساسيتان التي تقوم عليها أي دولة، حيث إن الأولى هي الجهة الرسمية المناط بها سن القوانين والتشريعات والأنظمة واللوائح التي تنظم جميع مناحي الحياة بالدولة بما يحقق الصالح العام أو درء المفاسد في شؤون الدولة وفقا لمبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء. والثانية هي السلطة والإدارة العليا بالدولة المناط بها تطبيق وتنفيذ القوانين والمحافظة على مصالح الدولة، وعلى رسم وتنفيذ السياسات والإستراتيجيات العليا للدولة.فالقيادة العليا للدولة تقوم باتخاذ القرارات السياسية الداخلية والخارجية، ولابد من التعاون بين الحكومة والمجلس وبدعم من القوى والتيارات السياسية بما يحقق الاتفاق على أولويات عمل محددة للإصلاح وبرامج تنموية واقتصادية. وما يحدث اليوم من صراع بين هاتين الركيزتين الأساسيتين هو إهدار وتضييع لكل المكتسبات ولا يسر بذلك إلا الأعداء لا غير، لأن مثل هذه الصراعات وتصفية الحسابات والشخصانية التي تحدث بين بعض أعضاء السلطتين عملت على عدم وجود استقرار سياسي في البلاد والذي انعكس سلبا على تحقيق التنمية وتنفيذ المشاريع وعطل مصالح البلاد والعباد، وذلك بدعوى التغيير نحو الأفضل. والتغيير نحو الأفضل لا يقف أمامه سليم الفطرة والسريرة بل يسعى إليه ويساند من يقوم به. والتغيير إن كان للأفضل فلا شك أنه مطلوب ومحبوب وكذلك السعي إليه.. فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وأظن أن التغيير ليس مطلوبا بحد ذاته بل لأنه وسيلة إلى التقدم والتطور نحو الأفضل في جميع نواحي الحياة.. بمعنى أن أي تغيير لا يقدم إلى الأفضل فليس بمطلوب ولا مرغوب.. ومما يتعلق بالتغيير أنه لا ينبغي أن يكون له حد إذا اتفقنا أن المراد به التقدم والسعي إلى الأفضل.. فالاستمرار في التقدم هو ما يضمن عدم التقهقر.. ولا أجد للتغيير شرطا سوى عدم المساس بالثوابت والأصول.
وعندما نرى الأمم ترقى وتتطور بسبب صدقها وإخلاصها وتعاونها وطموحها، فينبغي على العاقل اللبيب ألا يقنع بما عليه حاله، بل ينزع إلى معالي الأمور ويعمل على تغيير حاله إلى ما هو أرقى وأسمى وأنفع، فكلما نال مرتبة نظر إلى ما فوقها في غير ركون إلى الدنيا أو مخالفة لشرع ربه. ولابد أن يكون هناك طموح، يسعى بالإنسان إلى معالي الأمور، ويرقي حاله إلى حال أفضل، ويصعد به من مرتبة إلى مرتبة أعلى، لتحقيق الأهداف المرجوة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل الأمة دائما على الطموح وإلى طلب المعالي والتنزه عن الدنايا، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرفها، ويكره سفسافها» رواه الحاكم.
ويجب أن نعلم جميعا أن المسؤولية ملقاة على عاتق الجميع وليست على الحكومة فقط، وما يظهر اليوم من مطالبات فإننا نجدها غير موزونة ولا عادلة، وقد كانت الحكومة محقة في أمور وقف بعض النواب في طريق تنفيذها ما أدى إلى كبح عجلة التنمية واضعاف هيبة الحكم في نفوس العامة، ولا ندعي الكمال لأحد فالكمال لله وحده سبحانه وتعالى وان كانت هناك مطالبات لإصلاح خلل في الحكومة أو في المجلس فيجب أن تكون من خلال نواب الأمة ـ الذين انتخبناهم لهذا الغرض ـ تحت قبة المجلس وفق القنوات الدستورية.. وليس في الشوارع والأسواق التي يرتادها عموم المواطنين والوافدين لقضاء مصالحهم وحاجاتهم. ونتمنى أن يغلب على كل مسؤول وكل شخص مصلحة بلاده على مصلحته الشخصية وأن يلتزم كل واحد منا بدوره ويؤدي ما عليه من واجبات، وأن نعزز مبادئ الشفافية في مجتمعنا الكويتي ونتخلص من جميع مظاهر الفساد ونحافظ على المال العام وعلى مكتسبات الوطن وأن نبتعد عن كل ما من شأنه إثارة القلاقل والفتن وأن نكون مستعدين وجادين في عملية البناء والتطوير. والكويت بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى الى تكاتفنا وتلاحمنا.
ونحمل بعض وسائل الإعلام المسؤولية لأنها تقوم بدور سلبي في إشعال الأزمة السياسية فيما بين أعضاء مجلس الأمة وأعضاء الحكومة ونقول لمثل هذه الوسائل لابد من التحلي بالمصداقية والواقعية والموضوعية لا أن تمارس دورها في إشعال الفتنة ولابد من محاسبة أي وسيلة إعلامية من شأنها إحداث وإشعال الفتنة في المجتمع.
وإذا أردنا التغيير والإصلاح فلابد من البدء بالأهم فالمهم، ومن الأولويات المهمة في مجال الإصلاح: العناية ببناء الفرد قبل بناء المجتمع، أو بتغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة والمؤسسات، قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فهذا أساس كل إصلاح أو تغيير أو بناء اجتماعي: البداءة بالفرد، فهو أساس البناء كله، إذ لا أمل في إقامة بناء سليم متين، إذا كانت لبناته واهية.
ولابد كذلك من تعزيز الشعور بالانتماء لهذا الوطن الغالي فيقوى الشعور بالانتماء لدى الفرد حين يستطيع أن يفخر ببلده، ويزداد كلما أحس المواطن بكرامته وأدميته، واستطاع أن يحصل على جميع حقوقه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية كمواطن، وذلك الشعور بالانتماء هو ما يوحد الأمم.
وتطبيق شعور الانتماء على أرض الواقع يتطلب منا الكثير، فهو ليس مجرد كلام وشعارات وإنما التزام بالثوابت الوطنية ومشاركة فاعلة في دفع مسيرة التطور والتقدم بما يحقق مصلحة الوطن، والفرد هو أهم عنصر من عناصر الوطن فهو يشكل حلقة من حلقات مجتمعه ابتداء بالأسرة ومرورا بالعشيرة والمجتمع وانتهاء بالدولة التي ينظم أمور أفرادها دستور ومجموعة من القوانين والأنظمة التي تحكم علاقاتهم ببعضهم بعضنا وبالدولة التي يعيشون في كنفها.
كذلك الوطنية لابد أن تكون قيمة راسخة في نفس كل إنسان نشأ في بيئة نقية طاهرة يترجمها من خلال مجموعة من السلوكيات المنضبطة مع مصلحة وطنه التي لا يعلو عليها أي مصلحة أو ولاء أو محبة لا لمنهج ولا لحزب ولا لفكر مستورد ولا لعشيرة أو أقارب فهي بذلك تحتاج إلى تضحيات جسام.
والقارئ لتاريخ الأمم يجد أن الكثير قد ضحى بحياته لأجل وطنه ودفاعا عن أرضه، فالوطنية ليست مجرد كلمة تمر على الأسماع أو شعار للأشخاص الذين يجعلونها رمزا للوصول إلى مآرب شخصية أو مفتاحا لأبواب السياسة للمتنفعين الذين يكثر ظهورهم في المناسبات الوطنية والاجتماعية ويتغنون فيها بأفصح الكلمات والمعاني.
الوطنية شعور عظيم في النفس وتطبيق على ارض الواقع بسلوكيات مستمدة من صدق هذا الشعور وبعيدا عن التصنع والنفاق، وكل منا قادر بحول الله على ترجمته على أرض الواقع بأفعاله التي تصب في مصلحة وطنه بمصداقية عالية.
وعلينا كذلك أن نعمل بجد وإتقان ونحبب العمل إلى أبنائنا ونحن الذين حثنا ديننا الحنيف على ذلك فقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه». حب العمل من أكثر ما نفتقده في أوساطنا العربية فنحن نتفنن في الهروب منه وتضييع أوقاته ففي الصين واليابان مثلا وبعض الدول الأوروبية والآسيوية يضعون جرسا لإنهاء وقت العمل وذلك بسبب انهماك العمال في العمل ونسيانهم أن فترة العمل انتهت ولا يكفون عن الإنتاج، فما أجمل أن نحب ما نقوم به لأننا ساعتها سنبدع ونبتكر في عملنا، والوطن بحاجة إلى كل عامل مخلص مبدع ومنتج.
كذلك لابد من النصح ولا يكون ذلك بحدة وشدة الكلام والألفاظ المبتذلة بل يكون بالرفق واللين فلا أحد معصوما عن الخطأ وهذه طبيعة البشر ولا يعتبر الناصح نفسه بأنه منزه ويزج بتلك الألفاظ فينقلب نصحه عليه حيث إن النصح باللين والرفق يأتي بثمار لا يأتي بها العنف أو الشدة وخير قدوة لنا في ذلك الحبيب صلى الله عليه وسلم حيث يقول «إن الله يحب الرفق في الأمر كله» رواه مسلم.
ولنعلم جميعا أن العطاء يساوي الأخذ وأن النجاح عمل وجد وتضحية وصبر، ومن منح طموحه صبرا وعملا حصد نجاحا وثمارا..فاعملوا واجتهدوا وابذلوا الجهد ليتحقق النجاح والطموح والهدف.. فمن جد وجد ومن زرع حصد.
وقل من جد في أمر يحاوله
واستعمل الصبر إلا فاز بالظفر
ضيف صفحة الرابطة
تسلط الكفار على المسلمين
سلط الله سبحانه أعداءه على أوليائه المسلمين في بلدان كثيرة فقتلوهم وعذبوهم وانتهكوا أعراضهم وفتنوهم في دينهم، فلا تستغرب أيها المسلم، فلله الحجة البالغة وله الحكمة الباهرة، ولا يقضي الله لعباده المؤمنين قضاء إلا وهو خير لهم «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». لكن قبل كل شيء ينبغي للمسلم أن يوقر ربه ويعظمه في كل حال، فهو سبحانه لا يسأل عما يفعل، لكمال حكمته، يقول الإمام الطبري «لا سائل يسأل رب العرش عن الذي يفعل بخلقه من تصريفهم فيما شاء من حياة وموت وإعزاز وإذلال وغير ذلك من حكمه فيهم، لأنهم خلقه وعبيده وجميعهم في ملكه وسلطانه، والحكم حكمه، والقضاء قضاؤه، لا شيء فوقه يسأله عما يفعل فيقول له: لم فعلت؟ ولم لم تفعل؟». وإنما تصدى من تصدى لهذا السؤال من باب تثبيت المؤمنين ومحاولة التخفيف عنهم، بالتدبر في كلام الله سبحانه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ومطالعة كلام أهل العلم الذين فقهوا عن الله عز وجل.
يقول العلامة محمد ابن عثيمين رحمه الله في تفسير سورة البروج عند تفسيره قوله تعالى: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق).
في هذه الآيات من العبر: ان الله سبحانه وتعالى قد يسلط أعداءه على أوليائه، فلا تستغرب إذا سلط الله عز وجل الكفار على المؤمنين وقتلوهم وحرقوهم، وانتهكوا أعراضهم، لا تستغرب فلله تعالى في هذا حكمة، المصابون من المؤمنين أجرهم عند الله عظيم، وهؤلاء الكفار المعتدون أملى لهم الله سبحانه وتعالى ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، والمسلمون الباقون لهم عبرة وعظة فيما حصل لإخوانهم، فمثلا نحن نسمع ما يحصل من الانتهاكات العظيمة، انتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وتجويع الصغار والعجائز، نسمع أشياء تبكي، فنقول: سبحان الله ما هذا التسليط الذي سلطه الله على هؤلاء المؤمنين؟
نقول يا أخي: لا تستغرب فالله سبحانه وتعالى ضرب لنا أمثالا فيمن سبق، يحرقون المؤمنين بالنار، فهؤلاء الذين سلطوا على إخواننا في بلاد المسلمين هذا رفعة درجات للمصابين، وتكفير السيئات، وهو عبرة للباقين، وهو أيضا إغراء لهؤلاء الكافرين حتى يتسلطوا فيأخذهم الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر.
وفي هذه الآيات من العبر:
ان هؤلاء الكفار لم يأخذوا على المسلمين بذنب إلا شيئا واحدا وهو: أنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد، وهذا ليس بذنب، بل هذا هو الحق، ومن أنكره فهو الذي ينكر عليه»اهـ. ومن الحكم في هذا التسليط ما يفهم من قوله تعالى: (وليمحص الله الذين آمنوا) قال صاحب التبيان في تفسير القرآن: وقيل في تمحيص المؤمنين بالمداولة قولان: أحدهما لما في تخليتهم مع تمكين الكافرين منهم من التعريض للصبر الذي يستحقون به عظيم الأجر، ويحط كثيرا من الذنوب. ومن الحكم ما سطره ابن القيم، رحمه الله، في كتابه إغاثة اللهفان حين قال «ان ابتلاء الله بغلبة عدوهم لهم وقهرهم وكسرهم لهم أحيانا فيه حكمة عظيمة لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل». فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمين منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائما مقهورين مغلوبين منصورا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين، أن صرفهم بين غلبهم تارة، وكونهم مغلوبين تارة أخرى، فإذا غلبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه وخضعوا له وانكسروا له وتابوا إليه، وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه.
ومنها: أي من الحكم ـ أنهم لو كانوا دائما منصورين غالبين قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين، ومتابعة الرسول، فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة أخرى، فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله، ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه. ومنها: أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم، فلله سبحانه على العباد في تلك الحالتين عبودية بمقتضى تلك الحال، لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم قلب دونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والجوع والعطش، والتعب والنصب، وأضدادها، تلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني، والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم دون لازمه ممتنع. ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم، كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين. ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون. وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين. وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين). فذكر سبحانه أنواعا من الحكم التي لأجلها أديل عليهم الكفار بعد أن ثبتهم وقواهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أعطوا من الإيمان، وسلاهم بأنهم وإن مسهم القرح في طاعته وطاعة رسوله، فقد مس أعداءهم القرح في عداوته وعداوة رسوله، ثم أخبرهم أنه سبحانه بحكمته يجعل الأيام دولا بين الناس، فيصيب كلا منهم نصيبه منها كالأرزاق والآجال، ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم ـ وهو سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه وبعد كونه ـ ولكنه أراد أن يعلمهم موجودين مشاهدين، فيعلم إيمانهم واقعا ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء، فإن الشهادة درجة عالية عنده، ومنزلة رفيعة، لا تنال إلا بالقتل في سبيله، فلولا إدالة العدو لم تحصل درجة الشهادة التي هي من أحب الأشياء إليه، وأنفعها للعبد، ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين أي: تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة، والرجوع إليه، واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو، وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا، ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد، ولا صبر، وأن حكمته تأبى ذلك، فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر، ولو كانوا دائما منصورين غالبين لما جاهدهم أحد، ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم. «فهذا بعض حكمه في نصرة عدوهم عليهم، وإدالته في بعض الأحيان».
بشرى للمؤمنين
وليعلم أهل الإسلام أن الله وإن مكن الكافرين من أذية المؤمنين في بعض الأحيان فإنه قضى ألا يمكن الكفار من استئصال شأفة المسلمين واستباحة بيضتهم، قال ابن كثير عند قوله سبحانه (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) «أي: في الدنيا بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا».
وليبشر أعداء الله بخزي الله عز وجل لهم وعذابه المهين، فهو يمهل ولا يهمل، والجزاء من جنس العمل، وجزاء الاستكبار والعتو على الله هو الإهانة في الدنيا قبل الآخرة، قال سبحانه: (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون).
ويأبى الله سبحانه أن يهلك يأجوج ومأجوج ـ الذين استكبروا وقالوا قتلنا من في الأرض فهلم فلنقتل من في السماء ـ إلا بالدود في رقابهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يأذن الله بقتل يأجوج ومأجوج «فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة».
للكاتب: جمال عفيفي
أخبار العالم الإسلامي
٭ منظمة التعاون الإسلامي تدعو الدول الاعضاء والمؤسسات الإنسانية لتقديم المساعدات للمتضررين بباكستان من الفيضانات المتجددة.
٭ النظام السوري البعثي يتمادى في طغيانه وذلك باختطاف شقيقات بعض المتظاهرين والمعارضين واغتصابهن لإجبار أقاربهن على الاستسلام وقد بلغ عدد القتلى في سورية 2700 بينهم ما لا يقل عن 100 طفل.
٭ القضاء الفرنسي يصدر أول إدانة في قضية حظر ارتداء النقاب التي أقرتها الحكومة الفرنسية ولاقت استياء من المسلمين.
٭ الكشف عن مقبرة جماعية قرب سجن أبو سليم في طرابلس تضم رفات 1200 شخص تم قتلهم جميعا على يد كتائب القذافي.
٭ الزيارات الصهيونية تتزايد لدولة جنوب السودان لإنشاء أعمال متبادلة بينهم سياسية واقتصادية.
٭ قام بعض العنصريين البوذيين بتدمير وهدم مسجد قديم في مدينة «أنورادابورام» السريلانكية، مثيرين الشحناء والبغضاء بحجة أنه يقع في المكان الذي دفن فيه الملك «دوتاجيمونو»، على حد زعمهم.
٭ شهدت الصومال هطول أمطار عقب مشاركة الملايين في الصومال وعبر العالم في «الجمعة الماضية» بغرض الدعاء للمتضررين من المجاعة في الصومال والقرن الافريقي من خلال صلاة الاستسقاء وقنوت النوازل، للتخفيف من معاناتهم الناجمة عن الجفاف.