Note: English translation is not 100% accurate
أكد أهمية سلوك الحكمة والتؤدة بمشروع تطبيق الشريعة والابتعاد عن الإثارة والتأجيج في الإعلام
الجيران: أحكام الإسلام تُؤخذ بجملتها دون تدرج في الانقياد.. أما الأوامر الشرعية فالتكليف متعلق بالاستطاعة
5 مارس 2012
المصدر : الأنباء

تطبيق الشريعة في البلاد الإسلامية من أوجب واجبات الإيمان بأدلة الوحيين المتواترة والواضحة
نذكّر الذين يدعون لإقامة الشريعة دفعة واحدة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله»
العلماء يفرقون بين التدرج في التشريع والتبليغ وبين حال الإنسان وقت التطبيق
يجب العمل على إيجاد البديل قبل الشروع في إغلاق أي باب من أبواب معاملات الناس وأقضياتهم لأنهم لا يعيشون في فراغم. ضاري محسن المطيري
البحث القيم المعنون بـ «تطبيق الشريعة والتدرج فيها» لمؤلفه د.عبدالرحمن الجيران، يسلط الضوء على بعض الجوانب المتعلقة بالرغبة في تعديل المادة الثانية أو اسلمة القوانين، ويناقش الطرق المثلى لتحقيق هذا الهدف السامي، مبينا النهج التربوي الرباني في التدرج بالأحكام الشرعية مع المكلفين. يبدأ البحث بالحديث عن شعار «تطبيق الشريعة» وهو شعار طالما رفع في أرجاء البلاد الإسلامية، وتعلقت به قلوب مليار مسلم ومسلمة، ولهم الحق في هذا، بل هذا من أوجب واجبات الإيمان، لقوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)، والأدلة في هذا الصدد كثيرة ومتواترة وواضحة بدلالتها، لكن ينبغي أن نوضح قبل كل شيء أن مسألة تطبيق الشريعة تحتاج إلى ما يلي: الإخلاص لله تعالى والصدق في الامتثال، الاستعانة بالله وحده لتحقيق هذا الأمر وسؤاله العون والسداد، الابتعاد عن الإثارة والتأجيج والمقاصد الأخرى المنافية للإخلاص لله وحده، ترك إثارة المسألة في وسائل الإعلام إذ ان المسألة لا ينبغي أن تثار هناك، سلوك الحكمة والتؤدة في هذا الصدد، الرجوع لأهل العلم الكبار المعروفين برسوخ أقدامهم في شريعة الله تعالى للاسترشاد بأقوالهم، التفريق بين المسائل التي تحتاج إلى تدرج والمسائل التي لا تحتاج إلى تدرج، العمل على إيجاد البديل قبل الشروع في إغلاق أي باب من أبواب معاملات الناس وأقضياتهم لأن الناس لا يعيشون في فراغ.
والحكمة من التدرج هي ترويض النفوس على تقبل أحكام الله، والتمهل في استئصال العادات القبيحة المتأصلة في النفوس لاسيما العادات المتوارثة عبر قرون طويلة، وتخفيفا على الناس، تماشيا مع فطرة الإنسان التي يتطلب التعامل معها التزام التدرج لتغييرها وحسن الارتقاء بها، كما أن التدرج يتلاءم مع منهج التغيير بشكل عام، إذ لا يمكن تغيير أوضاع المجتمعات لتتفق مع الشريعة إلا بأسلوب التدرج.
والحقيقة أن التدرج يشمل سنن الحياة كلها، فالحليب في ضرع الأم يبدأ خفيفا، وتزداد قوته الغذائية وكثافته مع نمو الطفل، والمعلم يتعهد تلاميذه المبتدئين بأسهل المعلومات، ثم يتدرج بهم حسب نضوجهم العقلي وسموهم الفكري. وكذلك الأمم تتقلب كما يتقلب الأفراد في أطوار شتى، فمن الحكمة في سياستها وتشريعاتها، أن يصاغ ويختار لها ما يناسب حالها في الطور الذي تكون فيه، حتى إذا انتقلت منه إلى طور آخر لا يناسب ذلك التشريع الأول، كان لازما أن يوجد لها تشريع آخر يتفق وهذا الطور الجديد، وإلا لاختل ما بين الحكمة والأحكام من الارتباط والإحكام.
كل الواجبات الشرعية يجب القيام بها بحسب استطاعة الإنسان، وفي سؤال مقدم للجنة الدائمة للبحوث والإفتاء حول هذه المسألة حيث جاء في السؤال: ما الفرق بين التدرج في تحريم الخمر والأمر بالجهاد، حيث إننا مطالبون بآخر نهي في الخمر، ومطالبون بالاستطاعة في الجهاد؟
بعد اكتمال الدين واستقرار أحكام الشريعة بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أحكام الإسلام تؤخذ بجملتها، ولا يجوز التدرج في الانقياد لأحكامها، كما كان ذلك في أول الإسلام، فالخمر مثلا يجب على كل مسلم أن يعتقد تحريم شربها ابتداء، ومن اعتقد غير ذلك ـ وهو عالم بتحريمها ـ فهو مرتد، لجحده ما هو معلوم تحريمه بالضرورة من دين الإسلام، وبالأدلة الشرعية، وإجماع أهل العلم، أما الأوامر الشرعية فإن التكليف بها في الإسلام منوط باستطاعة المكلف، فلا يجوز على المكلف من الأعمال ما لا يقدر عليه، أو يسبب له مشقة وحرجا، وكل مسألة بحسبها، فالجهاد مثلا وجوبه على الشخص، وكذلك وجوبه في الأحوال العامة، كل ذلك على درجات حسب البواعث والأحوال، ولا يقال إن هذا من باب التدرج في التشريع، وقد قال الله تعالى وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.
ونلاحظ من كلام العلماء التفريق بين التدرج في التشريع وبين حال الإنسان وقت التطبيق وهذا كلام كبار العلماء واضح بحمد الله، والتدرج إنما يكون في التبليغ ويؤيد ذلك حديث معاذ رضي الله عنه حين أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، حيث قال: انك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا فأخبرهم أن عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة.. إلخ الحديث.
أما تطبيق الحدود فهذه تلزم بالحال وتطبق على كل مسلم ومسلمة بعد استكمال جوانب التقاضي وأركان الدعوى والشهود والإثبات كما هو معروف ومقرر في كتب القضاء الشرعي والتي عملت به الدولة الإسلامية قرونا متطاولة تقرب من الـ 14 قرنا من الزمان، بحمد الله ساد العدل فيها أرجاء البلاد الإسلامية ونعمت بضياء شريعة ربها، وإن كان تخلل هذا الوقت فترات فتن وظلم فهذه قلـــيلة ولا يقاس عليها بجانب العـــدل الإلهي في ظلال شريعة الله تعالى.
الحكمة من التدرج في التشريع
٭ التخفيف والتيسير على الأمة وهذا من رحمة الله تعالى لأن إنزال الشريعة دفعة واحدة فيه مشقة وعنت على الناس والشريعة جاءت بنفي الحرج والمشقة.
٭ وتربيهم على مهل: إذ إنه من المعلوم أن التربية تحتاج إلى وقت وخاصة في الأمور الشاقة.
٭ عدم نفور الناس عن الدين: ويؤكد هذا المعنى ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر).
٭ الشعور بدوام معية الله تعالى والتأييد وتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول الحق سبحانه (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا). قال الفخر الرازي انه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة على الخلق لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك، أما لما نزل مفرقا منجما لاجرم نزلت التكاليف قليلا قليلا فكان تحملها أسهل، وأنه إذا شاهد جبريل عليه السلام حالا بعد حال يقوي قلبه بمشاهدته فكان أقوى على أداء ما حمل وعلى الصبر على عوارض النبوة وعلى احتمال أذية قومه وعلى الجهاد فتجدد الوحي يشعر بدوام المعية والتأييد.
٭ مراعاة حال الزمان والمكان فالأولى مراعاة حال الأمة التي كانت تعيش في إباحة مطلقة، وحرية لا تعرف الحدود، فلو نزل دفعة واحدة، لكان في ذلك مشقة كونها تخالف ما تطاولت عليه العهود مما ألفه الناس.
٭ الإجابة عن الأسئلة التي تثار بعد كل مرحلة في التدرج، التي وثقها القرآن الكريم، منها الأسئلة التي كان يسألها الصحابة رضوان الله عليهم في فترات متباعدة، وكان الوحي ينزل مجيبا وموجها، وفي ذلك تلبية لحاجات المتلقين، فلو نزل القرآن دفعة واحدة لعدمت ملكة الاجتهاد، والتواصل بين المكلف ومصدر التشريع، ومن الحوادث التي أوردها الذكر الحكيم حادثة الإفك، وبعض الغزوات وأهم المواقف التي شهدتها كأسرى بدر، ومخالفة الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في أحد، وتحزب الأحزاب في الخندق، وإعجاب المسلمين بكثرتهم يوم حنين، ووقائع غزوة تبوك وما صاحبها من مواقف المنافقين.
٭ ليس من مقاصد الشريعة في التدرج اليوم تعليم الناس الصلاة والصيام والحج والزكاة، فهذه مما يعلمه جمع المسلمين ضرورة لكن التركيز يكون على جوانب النقص في التشريعات التي يحتاج الناس إليها، والتي مازالت جهود أعداء الدين تسعى إلى تغييبها وتبديلها.
أما الذين يدعون إلى إقامة الشريعة دفعة واحدة، فنرد عليهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى». رواه البيهقي.
أطوار التشريع الإسلامي
قسم العلماء أطوار التشريع الإسلامي إلى 6 أدوار متعددة لكل مرحلة ما يميزها عن غيرها وهذا من باب تقريبها لطلاب العلم وغيرهم:
٭ المرحلة الأولى: التشريع في حياة رسول الإسلام .
٭ المرحلة الثانية: التشريع في عصر كبار الصحابة (من سنة 11 إلى سنة أربعين هجرية).
٭ المرحلة الثالثة: التشريع في عهد صغار الصحابة ومن تلقى عنهم من التابعين.
٭ المرحلة الرابعة: تدوين السنة وأصول الفقه، وظهور الفقهاء الأربعة الذين اعترف الجمهور لهم بالإمامة والاجتهاد المطلق، الفقه المالكي الفقه الحنفي الفقه الشافعي الفقه الحنبلي.
٭ المرحلة الخامسة: القيام على المذاهب وتأييدها، وشيوع المناظرة والجدل من أوائل القرن الرابع إلى سقوط الدولة العباسية.
٭ المرحلة السادسة: دور التقليد، وهو يبدأ من سقوط بغداد على يد هولاكو إلى بداية القرن الهجري الماضي.
٭ المرحلة السابعة: دور التجديد، وقد بدأت نواته من بداية القرن السابع على يد شيخ الإسلام ابن تيمية ثم قوي بداية القرن الجديد على يد علماء من أمثال الشوكاني وغيره رحمهم الله.
أنواع التدرج في التشريع:
٭ تدرج زمني: أي أن الأحكام لم تنزل مرة واحدة بل هناك المتقدم منها والمتأخر.
٭ تدرج في أنواع ما شرع من أحكام: أي أن المسلمين لم يكلفوا بالأحكام مرة واحدا إنما أخذوا بالرفق تيسيرا عليهم، ومن الأمثلة:
أ ـ الصلاة شرعت بداية بالغداة والعشي ثم جعلت خمس صلوات في اليوم والليلة.
ب ـ الزكاة كانت ليس لها حد معين ثم عينت مقاديرها.
ج ـ الخمر لم تحرم في البداية ثم جاء تحريمها على مراحل، في البداية ذكر أضرارها، ثم النهي عن الصلاة في حالة السكر، ثم التحريم.
٭ تدرج بذكر الأحكام بشكل كلي ثم يأتي التفصيل بعد ذلك، التشريع المكي جاءت أحكامه بشكل كلي ثم جاء التشريع المدين مفصلا للكلي.
في الختام، يقول جورج برناردشو «سيكون دين محمد هو الدين الذي يؤسس عليه دعائم السلام العالمي، والسعادة الإنسانية ويستند الى فلسفته ونظامه في حل المعضلات وفك العقد والمشكلات في العالم، ولذلك يمكنني أن أؤكد نبؤتي فأقول: إن بوادر العصر الإسلامي الأوروبي قريبة لا محالة)